لست من هواة متابعة كرة القدم بشكل عام، لكنني لا أفلت عادة من حمى كأس العالم التي تغزو الفضاء بشكل دوري كل أربع سنوات، فأتابع من المباريات ما يُتاح، ويستغرقني بعض الحماس.
وفي كثير من الأحيان، لا يعجبني جهلي بنتائج المباريات وترتيب الدوري عندما يتماحك الزملاء الجادون في العادة حول خسارة فريق وفوز آخر، فأجد عدم معرفتي إسرافاً في الجدية.
وفي هذه الأيام، تشيع أحاديث كأس العالم ومناخاته وما يصاحبها من كسر للرتابة وتباين الانطباعات. وقد غمز صديق قبل أيام بعبارة ذكية، حين قال: "كم من القرارات ستمررها حكومات العالم في غمرة انشغال الناس بكأس العالم!". وتلخص عبارته الاعتقاد السائد بأن الحكومات تستفيد من كل ما يصرف انتباه الناس عن القضايا الأساسية، مثل شؤون معاشهم ومصائرهم، ومن ذلك كرة القدم. وقد يتذكر بعضنا ذلك الحديث عن ظاهرة كوكب الشرق "أم كلثوم" وما قيل عن شغل العرب والمصريين بسطوعها الكوكبي عن التأمل في أسباب الهزائم العسكرية في تلك الحقبة.
المهم، ومهما كانت الخلفيات، تظل أم كلثوم وكرة القدم حدثين حاضرين على الرغم من الموافقة والاعتراض. وسيكون من المبالغة تحميل الهزائم العربية على كاهل أم كلثوم التي يسمعها الوطنيون الغيورون مثلما يسمعها غيرهم لأنها سيدة الطرب. وربما كانت لها فعلاً فضيلة جمع العرب في ساعة واحدة حول موضوع واحد.
وبالمقدارنفسه، ربما يجد المرء تسويغاً منطقياً، وكوني المنظور، في حقيقة أن كأس العالم يستطيع كما لا يستطيع شيء، أن يركز في لحظة واحدة عشرات الملايين من عيون مواطني الكوكب على مستديرة ساحرة واحدة. ولعل في فكرة هذا التشارك الإنساني النادر في الوجهة ما يوقظ الأشواق إلى دفء الصحبة، والتمتع بهذا الاندغام المؤقت وغير المعتاد في جماعة العالم.
لكنّ كأس العالم، الذي يملك الرقية السحرية التي تجمع الفقراء والأغنياء، والشرقيين والغربيين، والأعداء في ميادين القتال كلهم على مشهد واحد، وقع أخيراً في شباك اقتصاد السوق ومنحنيات العرض والطلب، فأصبحت مشاهدة أحداثه سلعة لا تتاح إلا للأغنياء القادرين على الدفع.
ولا أدري إذا كان ذلك يصب في المصلحة الوطنية، بمعنى أن تبقى أعين الفقراء وعقولهم مفتوحة على شؤون معاشهم وبلدانهم، أم أن حرمانهم من مشاهدة مباريات كأس العالم سيفاقم إحساسهم بثقل الحياة والعزلة وضيق ذات اليد، ويذكرهم فقط بأنهم لا يستطيعون أن يتقاسموا مع الآخرين، حتى هذه المتعة الهاربة. وكما يقول العارفون في الحقل الرياضي، فإن فكرة "تسليع" كأس العالم تتعارض مع مبدأ "الفيفا" القائم أساساً على إبقاء كرة القدم شأناً شعبياً يكون متاحاً للناس من الطبقات كافة، يمنحهم هروباً مؤقتاً من مطاردة مشاغل الحياة!
بحسب ما تسرّب من أنباء، حاول الأردن أن لا يحرم مواطنيه فرصة مشاركة العالم متعة متابعة الكأس، وتفاوض على شراء حقوق بث المباريات، لكنه ووجه بأسعار تعجيزية تفوق ما يتحمل كاهله، وأعلى مما عُرض على آخرين، فانصرف عن المحاولة إلى الممكن من توزيع الشاشات العملاقة حيث تتيسر في الساحات العامة والأندية.
وبغض النظر عن الجهة التي تملك حقوق البث، التي كانت ستباع لأحد في نهاية المطاف، فإن النتيجة تبقى واحدة بالنسبة للكثيرين الذين سيقضون أمسياتهم مع المزيد من مرارة التمييز والقليل من الإثارة. وسيبقون، كما تفترض النظرية، منكبين بكامل الانتباه على مراقبة الشؤون العامة والمهمة، يحرسونها بينما ينشغل عنها الآخرون.
سيتحايل البعض لفك هذا "التشفير" الأخير، مثلما يحاولون دائماً فكّ هذا المحيط الهائل من التشفير، فيختبرون متعة الممنوع. وربما يكتفون بما يُفرج عنه من مباريات تبث بلا رسوم.
لكنني من باب الأمنيات أقول: كان ينبغي أن لا تدخل كرة القدم في لعبة التجارة من الأساس. أما وقد حصل، فربما كان ينبغي لجهة ذات سعة يد في العالم العربي، أن تشتري لفقراء العرب هذه المتعة الأخيرة وهم المحرومون من الكثير. هل خضت في السياسة؟ ربما.. فكم يصعب الهروب من هذه السوسة التي لا تترك شيئاً إلا وتنخر فيه.!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة