ما يزال الإنسان يبحث عن المعنى، منذ أدرك أول المعنى.. لكن كل تساؤلات الإنسان عن وظيفته ومعناه لم تقطع به سوى المزيد من الطريق إلى الغابة. وليست الغابة البدائية التي تحكمها الغريزة العمياء و"شريعة الغاب".. ففي تلك، لا نتصور أسدا واحدا يقتل قطيعا من الأسود بطلقة واحدة.. أما هذا "الإنسان"، فيستطيع وحده أن يبيد مدينة، ودولة، وقارة وكوكبا بطائرة وقنبلة، أو بزر أحمر يلامسه فيفتح بوابات الجحيم.
وما الإنسان؟ وما طقوسه وأساطيره؟ أخذنا اسمه من الأنس والصحبة.. وقلنا تشرّف عن الحيوان وسَما بالعقل والضمير.. فأي عقل وأي ضمير في كائن يشغّل ملكاته في خداع الآخرين، وفي اشتهاء ما في أيدي الآخرين، والاستئثار بأكبر قدر من أشياء الآخرين، وفي ابتكار وسائل القتل التي يعجز عنها الشيطان في أسوأ صوره التي ابتكرتها له مخيلة الإنسان ليحمله وزر أعماله؟
"ثمة ما هو جميل"، سيقول لي واحد يكره النظر إلى النصف القاتم.. لكنه لا ينبغي أن يكون لإنسانية الناس نصف كامل قاتم حين تستطيع نقطة سواد واحدة أن تتلف بياض البياض.. ثم، لم يعد الإشراق يحتل حتى نصف المشهد الذي فتحته التقنية والأقمار المزورة على مداه البشع. وقبل التقنية كانت كتب التاريخ، فمتى حدّثتنا عن عالم خلا من تآمر الناس على الناس، وغزو الناس لبلاد الناس بدعوى صواب المبدأ وامتلاك الحقيقة، والتكليف بالتنوير؟ وكم من الناس كان يتيح لحقائق الآخرين أن تزاحم حقيقته الخاصة، المطلقة؟!
والعبودية، ابتكرها الإنسان ليمتلك رقاب الناس.. ثم طورها من بيع أفراد في سوق النخاسة إلى أسواق نخاسة أممية تعمل بالحسابات والحواسيب، وأصبح باستطاعة فرد أن يبيع أمة، وأن يشتري أي بقعة من العالم بما ومن عليها. وبعد أن كان الناس يتشاجرون على قطعة أرض بالعصي والحجارة، أصبحت جماعة قليلة في أي مكان تصادر حق الجماعة الكبيرة، وتأخذها برعب أشياء أكبر من العصي والحجارة.. ويا لعجز المستلبين عراة اليدين أمام أسوار قلعة متسلط واحد قانع بأن ما لديه هو رزق قادته الأقدار إليه.!
نتأمل الأخبار، فيفزعنا حجم القتل اليومي، والاحتلال اليومي، والجوع اليومي، والاغتصاب اليومي، وحجم النفاق المعلن والمكشوف. ونفكر في مآلات أحوالنا، نحن الأفرادَ العاديين، فنعرف كم نحن أصغر من أن نحدد المآلات والمسارات بعد أن انفتحت أعيننا على رؤية كمّ السلطات الهائلة التي أناخت جِمالَها على صدورنا، من سلطة العائلة، والحارة، وحرَس الأعراف، وحتى سلطة سكان البيت الأبيض في آخر الدنيا. والسلطات تمتلك تأويل الخطاب، والقوي يحدد الصواب، والخطأ، والأخلاقي وغير الأخلاقي، والعاقل والمجنون، وصاحب الحق والمتجني. وما أسهل أن يرموك وراء الشمس بدعوى الهرطقة، والزندقة، والشغب، والخيانة والتحريض، والإرهاب. وما أصعب أن تجد من يشدك إلى الاختيار الوحشي بين "أنا" أو "أنت"..!
وما جدوى الكلام، في زمن اختزلت فيه غاية الكلام إلى حديث مقتصد بقصد تصريف الأحوال؟ وكم من الأصدقاء يلقي عليك السلام إذا وقعت، أو ضاقت عليك الحلقات؟ ألا يتركنا صديق غادر بنظرات شاردة متشككة؟ أوَلا يقتل دعِيٌّ للحب روعة الحب؟ أوَلا يغتال ولد عاقّ جلالة الأمومة؟ وكم يمكن أن يسلبك "إنسانٌ" آخر نضال عمرك في لحظة يتخذ فيها قراراً بتسليمك، وحسب؟
ولا أقول بعبثية الوجود. ولا أنا أصلح العالم الخَرِب وفيَّ طبع الإنسان النرجسي الغلاب. لكن بالوسع البدء من هنا. من السؤال الشخصي الصريح: ما الذي أفعله بي، وبهباتي من العقل والضمير؟ وأين ينتهي المطاف بالصادق والزائف، والقانع والجشع، والساكت والمحتج، والذين يملكون والذين لا يملكون؟ ولماذا أضيف واحدا إلى السيئين وأجفف حديقة الجميلين؟
ثمة القليلون، يصيبهم ضمير كامل الصحو بحمى السُهاد.. فيهاجرون ويركبون البحر إلى احتمال الموت في موانئ بعيدة محاصرة بالبحر.. ولا يجدون بأساً في أن يرفعوا أصواتهم القليلة بالاحتجاج على عالم ملكت سمعيه فوضى الطبول والمدافع وصراخ المعذبين.. مؤمنين بأن الصوت المفرد يضيف إلى هارمونيا الإنسانية خافتة الصوت.. فلماذا لا نشاركهم، من هنا، شيئا من الهتاف لبقايا الإنسانية، وللحرية..!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة