لا بدّ أنكم سمعتم في مدرجات المونديال ذلك الصوت الطنّان الممطوط الذي تطلقه بلا كلل مئات "الفوفوزيلات".. وقد أثار صوتها فضول المعرفة، فبحثت عن اسم "صوت الفيل" الذي تطلقه هذه الآلات "الموسيقية"، لأعرف أنه يدعى "النهيم" أو "الصيء".. (أسماء موفقة ومعبرة عن مضمونها، كما كان حال العرب عندما أنشأوا اللغة). وبدا الأمر في مدرجات المونديال، وكأن فيلاً مجنوناً رفع عقيرته بالنهيم مرة، وعلقت حِبالَةُ حنجرته في نوبة صيء طويل..
والفوفوزيلا آلة نفخ تشبه البوق، تطلق نغمة واحدة لا ترتفع ولا تنخفض، وتحسب في باب "الموسيقى".. وبها، يمكن أن يكون كل الناس عازفين بمجرد شرائهم "فوفوزيلا" والشروع بالنفخ.. وإذا انقطع نفس الواحد، أكمل عنه جاره، وجار جاره، فلا ينقطع النهيم..
قلتُ أن رؤوسنا تصدّعت بنهيم فوفوزيلات مشجعي المونديال المصابين بعدوى الابتكار البدائي.. وقالوا إن رجلاً يدعى "فريدي صدام مكاي" زعم أنه ابتكر الفوفوزيلا في الستينيات، ولم يسجل الاختراع.. وهي فرصة لأن نزعم لأنفسنا، نحن العرب، حق تسجيل هذا "الابتكار"، وحتى بشكل أكثر عبقرية: إننا نصنع صوت "النهيم" الطويل هذا من دون "فوفوزيلات" ولا كلفة، وبمحض موهبة الطبيعة، وبالأوتار الصوتية فقط. وفوق ذلك، يمكننا أن نولّف نهيماً مثالياً من مجموع ملايين الأصوات التي تندغم كلها في نغمة واحدة مفردة، لا ترتفع ولا تنخفض، ولا تذهب إلى أي مكان، ولا تقول شيئاً.
طوال قرن مضى وأكثر، وآخر دخلناه، كتب العرب آلاف الكتب، وقرؤوا مثلها. وألفوا آلاف القصائد، وقرؤوا مثلها. وسمعوا آلاف الخطابات السياسية، ورددوا آلاف الهتافات الحماسية والأغاني: للجيوش والحب؛ والأوطان والهجران، والسلاطين والحرية، ولم يهتف لهم أحد.. وخرجوا إلى حقولهم وأعمالهم وجامعاتهم ومكاتبهم، ليعودوا فينجبوا المزيد من العرب والتعب.. والنتيجة حتى الدقيقة الأخيرة من هذه "المباراة" الطويلة: شيء مفرد الشكل، أحادي النغمة، ممتد غير منقطع، ضاجٌّ على مدرجات حول ملعب يلعب فيه كل العالم، سوى العرب.. ولم يسمع كل العالم على الشاشات وفي الملاعب من كل أصوات العرب، بشعوبهم وحُكامهم، غير نهيم فوفوزيلا طويل، ولا يذهب إلى أي مكان. صيء الفوفوزيلا صرخة طويلة بلا حسرة ولا عاطفة على بلادي المحايدة التي يسلبونها المعنى، والتي تبقى دائماً بلا فريق، ولا أهداف، ولا نجوم، ولا كاريزما مارادونية، ولا شيء.. والعبرة، كما يقول المعلقون في المونديال -والحكماء أيضاً- بالنهايات. ولا يهم أن يكون الهدف قد جاء عن تسلل أو بوكزة خفية من يد لاعب ماكر، ما دامت النتيجة هي الفوز.. فلماذا لا نسجل إلا عندما يستبدل واحدنا الجنسية العربية بأي جنسية أخرى: زيدان، وزويل، وسعيد؟
ربما كان شعبي "طيباً" لا يتقن الخداع والمراوغة واللعب على الأطراف ولا الوسط. ربما كرّر مدربوه على أسماعه مفردات الخوف، والهزيمة، والحذر حتى فقد الحماسة، وخسر المباراة انسحاباً بالخوف. ربما أداروا رأسه وعذبوا ذهنه بنهيم فوفوزيلاهم المكرور ليصيبوه بالصمم، ولتصبح هذه النغمة الرمادية الوحيدة، لشدة ما سمعها، هي كل لغته التي ينطق بها. وربما زاغت عيونه فلم يعد يرى خشبات المرمى بسبب كثرة الطنين. ويبدو أن المطاف قد انتهى بشعبي، من المحيط إلى الخليج، وقد أصبح فيلاً خُرافيَّ الجِرْم، كبيرَ الأذنين، يقوده طفل ضئيل بعصا وحبل، ويسير ليناً سهل القياد، ناهماً بفوفوزيلاه، ومغنياً نغمته الوحيدة على ليلاه.
قد يتذكر بعضنا عزيف الفوفوزيلا من يومنا الأول في ساحة المدرسة، يوم تركَنا الأهل أول مرة بلا رفيق ولا وجهة. وربما يتذكر الكثيرون أنهم سمعوا في ذلك اليوم، من مزيج مئات الأصوات التي تربك الهواء ولا تقول شيئاً مفهوماً، نفس نهيم الفوفوزيلا، الطنان الضاغط على الأعصاب والمدير للرأس.
وأنا أيضاً، بدأت مقالتي هاشّاً باشّاً، ساخراً من فوفوزيلا أقاربنا "البدائيين"، لأنتهي وأنا "أعزف"، مثل غيري، فوفوزيلاي.. بلا إحساس بنشوة تسجيل هدف، ولا خفض أو رفع للطبقة، ولا تحقيق غاية (غير معرفة اسم صوت الفيل). وإنما أشعر بأني أضفت، وحسب، عزيف فوفوزيلا أخرى، لا يكاد يلحظه أحد، في مدرجات تضيق بالعازفين، حول ملعب بغير لاعبين.!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة