مع حرّ الصيف الذي يضيّق الخلق، افتتحت صباحاتي مع سكان الحيّ طوال أسبوع، بقرقعة حفارة آلية "كمبريصة"، تحفر شقا عميقا في جسد الشارع أمام المنزل وتسف منه التراب. وبعد الانتهاء، ترك الحفارون الشارع مخططا بالندوب المردومة بالتراب المتطاير، ويعلم الله وحده متى سيأتي أحدٌ ليعيد للشارع رداءه الإسفلتي وشيئا من الاستواء.
وفي الطريق اليومي إلى العمل، هناك ورشة أخرى من الحفريات في شارع الجامعة، و"مطب بالطول" يغطي كامل امتداد المسرب الأيسر من شارع المدينة المنورة بين مستشفى الجامعة ونفق اليوبيل. وفوق هذا وذاك، ثمة الكثيرون ممن ينبهون أعصابك من مواطنيك السواقين الذين تتوقف سياراتهم بلا سابق إنذار وتتراصف متجاورة، وأخرى تقتحم الطريق من الجوانب من دون استئذان.
ولا أشتكي، ولا ينبغي لأحد إذا تأمل الوجه المشرق من الأشياء: إن عدم وجود حفريات في الشوارع، وندوب وحفارات وغير ذلك، سيعني أن البلد لا يتطور، وأنه أسير حالة من البيات والجمود التي لا تليق ببلد نام متغيّر. وحاشا لله أن يكون هذا "النشاط الحيويّ" ناجما عن قصر نظر في التخطيط وغياب في التنسيق بين الجهات، وإنما القصد منه الإبقاء على أجزاء كبيرة من القطاعين العام والخاص في حالة شغل، وإتاحة الفرصة أمام أبناء الوطن لكي يعملوا ولا يصبحوا نهبا للبطالة وما يقولونه عن اليد البطّالة..!
أما الأخدود الطويل العميق أمام منزلي، فكان القصد منه وصل عمارة بنيت حديثا بجنب المنزل المجاور بشبكة الصرف الصحي. وليست هذه البناية آخر واحدة في شارع في الأطراف، وإنما هي الثالثة فقط في شارع طويل مأهول من زمان. وقد علمت أن جاري المباشر فرح لأن الأخدود يمرّ من أمام منزله غير الموصول أيضا بالشبكة، فأنعم بالشاي والقهوة والماء البارد على عمال ورشة الحفر. ولو كانت البنية التحتية لوصل بنايات الشارع بشبكة التصريف قد أسست قبل تعبيد الشارع، لكان هؤلاء العمال الآن عاطلين، ومن بعدهم عمال البلدية الذين سيعيدون تعبيد الشارع فيحللون قرشهم، وكذلك مورّدو الإسفلت و"الحصمة"، والبقّال الذي يشتري منه العمال السردين واللبن، والخباز الذي يبيع لهم الخبز. وهكذا تدور عجلة الاقتصاد. تأملوا التنوع: في يوم تكتسي شوارعنا بقشرة مستوية من الإسفلت الطازج، وتخطط مساربها وتطلى أطاريفها،وفي اليوم التالي يعاد نبشها لأن شيئا طرأ، وتمديدات قديمة يجب أن تجدد، ولتوسيع الجزيرة الوسطية مرة، ثم لإعادة تضييقها.. وهكذا، تبقى الشوارع نابضة بالحياة والعمل والعرق، والإعلان عن استمرار البناء. وكم كانت الحياة لتضيق لو أن البنية التحتية لهذه الشوارع استكملت منذ البدء، وكان إسفلتها مثل بلاط شارع روماني. وتصوروا لو أن المخطط حسب حساب زيادة عدد السكان وكثافة السير المتوقعة، فترك فراغا كافيا من الأرض على جانبي الشوارع الحديثة نسبيا من أجل التوسع المستقبلي..! إذن لأصابنا الملل من تكرار المشهد الذي لا يتغير، ولخسرنا ثمن الأراضي التي بقيت من دون استغلال، بالإضافة إلى قطع أرزاق من ذكرت من العباد.
كنت شاهدت على شاشة التلفزيون الأردني مهندسا عمل مع الفريق الذي خطط شوارع وسط عمان أول الأمر. وقال الرجل إنه اقترح أن يكون عرض شارع السلط عشرين مترا، فسخر منه الآخرون. وقد تبيّن الآن ما غاب عنه من الحكمة: لقد شغَّل هؤلاء البلد ردحا في إقامة الطرق الدائرية حول عمان للحد من أزمة وسط البلد، فأصبحت مطوّقة بالشوارع الجميلة، واشتغل الناس وارتزقوا، واستفاد التجار الذين تقرر هدم محلاتهم لتجميل وسط البلد بالتعويضات المدفوعة من جيب دافع الضرائب الغيور، وذهب الجميع مسرورين.
صدق من قال: في الإعادة إفادة. ولو أتقن الناس السواقة، لخربت بيوت أصحاب ورش الميكانيك، وقلّ حفارو القبور. وإذا أنتَ أتقنت عملك وأنهيته من دون تسويف، ظن رئيسك في العمل أنك لا تعمل، فحمّل كاهلك بالمزيد، أو حمَل عليك واستثناك من الترقية. وباختصار، لو حفرنا مرة واحدة، وأتقنّا العمل من أول مرة، لقعد الكثيرون منّا في البيوت يتعلمون التطريز من شدة الفراغ، فحذار.. وإياكم من الإتقان..!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة