ثمة ثلاثة مشّائين: المشاؤون الإغريق الفلاسفة، الذين كانوا يمشون مع أرسطو أثناء إلقاء محاضراته –ماشيا- تحت الأروقة المظللة في مبنى الليسيوم في أثينا القرن الرابع قبل الميلاد؛ وهناك المشّاؤون الذين يكثرون من المشي على القدمين، إما حبا في الرياضة أو لعدم امتلاك أجرة المواصلات؛ والثالثون المشّاؤون المهمون الذين تنزل بهم الذكر الحكيم في سورة القلم، الآية 11: "هماز مشاء بنميم". ويشترك الثلاثة بكثرة المشي والإمعان فيه، حدّ وصفهم بالمبالغة على صيغة "فعّال".. لكن الأكثر شيوعا والملموسين أثرا هم النوع الثالث –الفعّال فعلاً- : المشاؤون بالنميم.
وحتى لا أجتهد، ووفق موقع إلكتروني معتمد، فإن "المشّاء بنميم" هو الذي "يمشي بين الناس بالنميمة للإفساد بينهم، وينقل الحديث من شخص إلى شخص آخر على سبيل الوشاية والإفساد". وليس هناك من ينجو من المشي بنميم في بعض الأحيان، بحسن طوية أو بزلة لسان، لكنّ هناك من يحترفون "النقل والرواية"، ويشتغلون باصطياد الكلام من الأفواه، ونقله باكتمال أركان القصد والترصد بغير إذن من صاحبه إلى من يهمه الأمر ولا يهمه، ومن دون معنى ظاهر أو غاية مرجوة سوى إلحاق الضرر الفوري بالطرفين، وبأنفسهم.
وليست ظاهرة الثرثرة حكرا على ثقافتنا، وإنما هي ظاهرة كونية ملازمة للإنسان. ولو استثنينا من الكلام اليومي ذلك الجزء الذي نأتي فيه على ذكر آخرين في طيات الحديث، لنقص كمّ كلامنا كثيرا. وعادة ما يقلل الحذرون من المشاركة في ما نسميه –تلطيفا- "مجالس النميمة"، لكن الخطأ قد يقع بسبب طبع الإنسان الخطّاء، فيزل لسان الواحد بشيء، عن قصد أو بغير قصد. أما وقد وقع الخطأ الذي لا عصمة منه لغير الأنبياء، فإن مضاعفته بالنقل والتوسيع غالبا ما لا تفعل سوى التهديم، والتهديم فقط. وقد يدّعي نافخ الكير الصياد في الماء الكدر أنه مكلّف بالمسؤولية، فيحمّل نفسه أمانة الرواية والنشر، ويعطي لنفسه حقّ البثّ نيابة عنك. ولأن لغتنا تتأثر بالنبر وتمتاز بكثرة المترادفات، فإنه يكفي قطع الموضوع عن سياقاته، أو تغيير النبرة أو استبدال لفظة بإحدى مرادفاتها حتى يصبح للحديث غير معناه، بل وضد المعنى في أحيان كثيرة، و"هات رقّع" وأصلح ما أفسده عليك تِربك الذي استأمنته نجواك.
وآخر المصطادين في شوارع الفراغ هو الفضاء الإلكتروني، الذي يتولى نشرك، أو النشر عنك، بسرعة مشي النبضة في الألياف الضوئية. فإذا كانت لك أدنى صلة بعمل عام، ولو من بعيد، فإنك قد تهمس شيئا لتراه وقد "لعلع" على المواقع الإلكترونية بعد دقائق، حتى يتفرج الذي لا يشتري. ولأن الحاسوب أعمى، ولو كان بصيرا، فإنه لا بد أن يكون أحد مجالسيك الذين افترضت فيهم الكتمان والثقة قد أسدى لك معروفا، فوظف نفسه ناطقا إعلاميا باسمك بالمجان.. وتسوّق لك العداوات وترك لك أن تدفع ثمنها بمعرفتك. وبهذا تتسع دائرة المتطفلين على الخصوصية. وكوابل الشبكة الإلكترونية وفضاؤها أسرع المشائين مشيا، بل وركضا في سباق التتابع، بعد تسلم العصا من صاحبك "النقال"، صائد الشبكة الأول.
من حيث المبدأ، حبذا اختصار مساحة حديثنا إلى الثلث المفيد وحذف ضمير الغائب من اللغة، ولو من الصعب تحقق هذا المطلب اليوتوبي الذي يعني الصمت عن أي كلام يكون موضوعه رأيا في شأن أو شخص. وحبذا لو عاش المرء حصته من الدنيا بلا فلتة من لسان، ولا رواية طرفة عن غائب. وحبذا أيضا استراحة المشّاء بالنميم لحظة للتساؤل عن معنى مشيه الكثير محمّل الكاهل بشؤون كان يمكن أن يسير خفيفا من دونها، فيطويها النسيان. ثم يحمل فوق ذلك عداوة المنقول عنه، ويصنع العداوة بين الأول والمنقول إليه. وحبذا إغلاق طريق المشي على هؤلاء بالعتاب.
إذا كان قد انسرب من حياتك أصدقاء حميمون أو أقارب من دون وداع، وما تزال تقلّب كفيك وتتساءل حيرة: لماذا ذهبوا. وإذا فصلت من عملك من دون إبداء الأسباب، أو انقلب عليك زوجك فلم تعرف لمَ، فيغلب أن يكون مشّاء ذرب اللسان، سريع القدمين، قد تطوع فأنمى عنك خبرا.!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة