من منظور تبسيطي، يبدو الاشتباك الأخير في اشتباك "إسرائيل" المستمر مع العرب سخيفا: حرب من أجل شجرة؟! ونتذكر ناقة البسوس وداحس والغبراء، ونضيف لأنفسنا سببا للاعتقاد بأننا عشّاق حرب من أجل ناقة وسباق خيل. وعليه، تقول بعض القراءات للشجار الأخير على الحدود اللبنانية إن التصعيد خدم أجندات محلية لجهات لبنانية "تهوّش بالكلام ولا تفعل شيئاً"؟! والتي ربما افتعلت الحادثة لتنفيس احتقان. والحقيقة أن هذه القراءة، واختزال المشهد إلى موضوع "الشجرة" هو نزع للأشياء من سياقاتها ومقدماتها معاً.
في البداية، وبغض النظر عمّن أطلق الصلية الأولى في "الشجار"، تستدعي صورة الرافعة الإسرائيلية التي تمتد من فوق السياج الحدودي وتمسك بخنّاق الشجرة، صورة أحد يمدّ يده في داخل جيبك وأنت تنظر. وقد تساءل صحافي غربيّ في استهلال قراءته للحدث: "هل كانت الشجرة في داخل إسرائيل؟". وقد وجد، حتى هو، الجواب مستفزا: لقد قررت الأمم المتحدة، ممثلة بقوات "يونيفيل" أن "الأشجار التي قطعها الجيش الإسرائيلي تقع جنوب (الخط الأزرق) على الجانب الإسرائيلي"، كما قال المتحدث باسم هذه القوات. لكن "الخطّ الأزرق" الذي رسمه طامح إلى رئاسة الأمم المتحدة اعتباطيا، وفق الكاتب، وضع كامل مزارع شبعا العربية في الجانب الإسرائيلي وتحت الاحتلال، ليضيف مزيدا من الاحتلال غير المشروع. وقبل الشجرة وبعدها، كان الكيان هو "محراك الشر" وسبب كل علة في هذه المنطقة من العالم، بل ومصدر تعب دائم لكل العالم وضميره. وسواء كانت أي أطراف "تناوش" هذا الكيان لخدمة أجندات ذاتية أو غير ذاتية، فإن وجود ما يدعى "إسرائيل" في المعادلة هو الخطيئة الأصلية. وحتى نضع الأمور في سياقاتها ومن بداياتها، دعونا نطرح ما تتيحه المساحة من الأسئلة المشروعة:
أولا، يصنف الكثيرون منا أطرافا في المنطقة (ما عدا إسرائيل)، على أنها "تنزع الاستقرار".. فمتى كان هناك أبدا استقرار في المنطقة منذ قيام ما يسمى "إسرائيل"؟.. أوَلم نقرأ في كتب الابتدائية أن "الاستعمار زرع هذا الكيان في قلب المنطقة العربية من أجل تفتيتها ونزع استقرارها وتقدمها"؟ ولماذا ننسى أنّ وجود هذه الأطراف "نازعة الاستقرار" في تجلياتها وأجنداتها الحالية هو نتاج لوجود ما يدعى إسرائيل في المقام الأول؟
ثانيا، كثيرا ما نصدّر أطروحاتنا بالحكم الإطلاقي: "إن العرب سيكونون خاسرين في أي تصعيد". أليست هذه العبارة تقريرا قَبليّاً لحتمية الهزيمة، والذي كرّس فينا ثقافة الهزيمة؟ وهل نصدق حقا أن أكثر من أربعمائة مليون عربي يجترعون الهوان ويريدون الكرامة لا يستطيعون هزيمة "الجيش الذي يُقهر"؟ وماذا عن تباشير حرب تشرين (أكتوبر) 73 التي أجهضوها (تعرفون مَن).. ثم، ما الذي بقي لدى العرب، أعني الشعب العربي، ليخسروه فعليا؟ هل هو هذا "الاستقرار" المزعوم؟ ومتى كان الاستقرار يعني خطف لقمة عيش المواطنين العرب لصالح "الجهد الحربي" والتسلح لخوض الحرب (ضد إسرائيل)، ولتسمين الأجهزة الأمنية حتى تقضم الحريات وتضمن، فقط، استقرار الأنظمة الأحَديّة تحت ذريعة صيانة "الاستقرار" المحلي لمواجهة العدو الخارجي (إسرائيل)؟! وقد احترنا: هل نحن في حالة حرب أم في حالة سلام؟ وهل عنت "معاهدات السلام" الرسمية أن الشعوب العربية تعيش الآن في "أمن وسلام إلى جانب دولة إسرائيل"؟!
ثالثا، لماذا تكون نتيجة أي حرب في المنطقة هي "فرض التسوية الإسرائيلية؟". وهل لا يجري فرض "التسوية" بالشروط الإسرائيلية الآن وبلا حرب؟ وأي هزيمة أكبر واستسلام أكثر ستحققه "إسرائيل" بالحرب حتى تفرض شروطا أكثر رداءة مما هو كائن؟ وهل يعني تجنب الاشتباك مع العدوّ في الوقت الحالي استثمار "أوضاع القوة" التي ستمكننا الآن من تحصيل "الدولة" الفلسطينية المعروضة علينا؟ ومن يصدق من القلب أن البانتستونات المعروضة، إن أخذناها، ستصنع سلاما واستقرارا في المنطقة؟ وهل يمكن حقا أن يخرج أبناء الفلسطينيين ومن ورائهم العرب من حالة الحرب بمجرد توقيع أحد ما صكّ تنازل عن فلسطين التاريخية؟! الأدقّ أننا لسنا على شفير حرب، وإنما في حالة حرب أو أسوأ "لا سلام ولا حرب". وليس السبب في التوتير، والأجندات الخاصة والعامة، والإرهاب، واحتمال اشتعال المنطقة، ليس هو "الشجرة" على الحدود.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة