ليس موضوعي رومانسياً أبداً، ولو أن عنوانه يذكر برائعة حنا مينة الرومانسية "فوق الجبل وتحت الثلج".. أما أبطال حكاية النفق والجسر عندنا، فانتحاريون، بل "مفجرون انتحاريون". وأما الحرب التي يشتركون فيها، والتي تحصد من أرواح مواطنيناً أعداداً لا تقل عن خسائر بعض الحروب، فهي حرب حوادث السير.
وكلنا مشتركون في هذه الحرب رغماً عنا، مشاة وسائقون. وقد أصبح الخروج لقضاء الشؤون اليومية أشبه بالذهاب إلى الجبهة التي قد يعود المرء منها سالماً، وقد لا يعود. فإذا كان الواحد ماشياً، يخاف أن تتناوله سيارة رعناء من على الرصيف. أو ربما يستقل سيارة أجرة، فيكون حظه سائقاً بهلواناً يلعب به لعبة الجبل الروسي فيوقف قلبه من الرعب. وقد يصادق سائقاً هادئاً، فتهبط عليه وعلى السائق سيارة أخرى طائرة من فوق جسر، أو عابرة للجزر من الاتجاه المقابل..
والواقع أننا نتبادل جميعاً أدوار الماشي والسائق، فنسب أضلاع آباء المشاة غير العابئين عندما نسوق، ونلعن أجداد السواقين الذين لا يحترمون حق الماشي عندما نمشي. وفي كل مرة، ينسى سائق اليوم أنه كان ماشي الأمس، وأنه قد يمشي غداً، والعكس صحيح.
وعلى أن معظم الناس يتبادلون أدوار الماشي والسائق ويخطئون في الحالين، فإن قانون السير لدينا يقول إن الحقّ دائماً على السائق.. ولو سقط شخص من علٍ على سيارة مصطفة إلى جانب الشارع بلا سائق، وتضرر هذا الشخص، فإن السائق الغائب يصبح الجاني الذي يتحمل التبعات.. أما في حال عدم وجود سيارة واصطدام الشخص بالشارع ووفاته أو إصابته، فلا تتحمل الأمانة، صاحبة الشارع، تبعات ما يحل به.!
وكذلك، يتحمل السائق دائماً ذنب حوادث الدهس، بغض النظر عن الحيثيات. وقد صادفت أمس موقفاً كنت أعبر فيه شارعاً ضيقاً بعد انعطاف، ربما بسرعة 20 كم، واندفع طفل ربما في الرابعة من عمره ووراءه أخوه. وتوقفت فوراً وتوقف معي قلبي لحظات قبل أن يتوقف الولد على بعد قليل. ماذا لو كان الطفل أكثر اندفاعاً وارتطم بجانب السيارة عندما توقفت، إذن لحلّت عليّ المصائب من شتى الأنواع، ولما كنت أكتب اليوم هذا المقال.. والأسئلة التي نرددها في هكذا موقف: أين أهل هذا الطفل غير المذنب حتماً، والذين تركوه يندفع هكذا إلى شارع ضيق بلا رصيف؟ وأيضاً، ما ذنب أي شخص كان في مكاني لو ارتطم هذا الولد بسيارته؟!
أما حكاية النفق والجسر، فعن أولئك الذين يعبرون الشوارع السريعة، بالضبط من تحت جسر مشاة، أو من فوق نفق مشاة.. وغالباً ما يكون هؤلاء صحاح الأجسام من الذين لن يقصّر أعمارهم اعتلاء الجسر أو هبوط النفق. بل إن من النعم الحقيقية على الماشي الراغب في السلامة أن يكون قرب جسر أو نفق يجنبه المغامرة بنفسه وعبور الشارع السريع ركضاً وهرولة.. ويعني إهمال الجسور والأنفاق فقط أن يكون الشخص "انتحارياً"، بل "مفجراً انتحارياً"، لأنه فوق قتل نفسه أو إيذائها، يأخذ بجريرته السائق الذي قد يحاول تجنب دهسه فينقلب بمن معه، وقد يصدمه فيصبح عرضة للسجن، والعطوات، ومصاريف المشافي، وتعطيل الأشغال وانشداه البال، ووجع الضمير بسبب أذى لم يتقصّده. وكم سمعنا عن سواقين صادفوا صيادي مصائب جشعين، فباعوا ما فوقهم وتحتهم ودمرت حياتهم، حرفياً، بسبب انتحاري من النوع الذي ذكرت.. وهل خبرتم الضيق من محاولة فك "برغي" صدئ في المنزل؟ فكيف ومتى يتكلف أناس خارقون عناء قصّ قضبان الحديد أو طيها في الحواجز التي توضع على الجزر الوسطية في الطرق السريعة من أجل النفاذ منها والتحايل على الجسور والأنفاق؟
ولا أبرئ السائق الأرعن، مشروع القاتل الطليق الذي يحول العربة إلى دبابة للقتل. لكنني لا أرى المنطق في تبرئة الماشي الذي يبتلي نفسه والآخرين أيضاً. وربما يجدر تحميل العابرين من تحت الجسور وفوق الأنفاق بالذات كل المسؤولية عن حوادث الدهس التي يتسببون بها لأنفسهم، وكلف المصائب التي تقع عادة على رأس سائق قد يكون ملتزماً بسرعة الطريق، ويمشي مطمئناً إلى الجسر والنفق.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة