كثيراً ما يكون الواحد ذاهباً إلى شغله في شارع ضيق تزحمه السيارات على الجانبين، ليجد سيارة مصطفة في عُرض الشارع وقد ترجل منها صاحبها بلا اهتمام، وحتّم علينا أن نصطف طابوراً وننتظر حضرته/ أو حضرتها، حتى يحضر، أو يتكرم سائق خلوق من الجهة المقابلة بالتوقف والسماح لنا بالانسلال.. وتكثر هذه الظاهرة عند المصارف، حيث يوقف "السائق المزدوج" سيارته في عرض الطريق ليسحب نقوداً من الصراف الآلي، أو حتى من على الحاجز داخل المصرف. كما يمارسها بكثافة سائقو التاكسي الذين ينزلون الركاب ويلتقطونهم ويحاسبونهم على أقل من مهلهم في وسط الشارع.. ومع أن فكرة التوقف المزدوج كلها غير مقبولة في الشوارع الضيقة تحديداً، إلا أن المزعج فيها أكثر أنه كثيراً جداً ما يكون هناك متسع للوقوف المريح، من دون ازدواج، على بعد مترين إلى الخلف أو الأمام، أو ربما عشرة أمتار مثلاً..
وغالباً ما تكون السيارات المصطفة من نوع "أربعاً في أربَعِ" 4×4 التي كثرت لدينا لكثرة ما لدينا من البنزين الرخيص. وأحياناً يكون باب السائق مفتوحاً ومن دون تشغيل الضوء الرباعي ليشعرنا بأن الوقوف طارئ ويلمح بالاعتذار. وربما يحس صاحب هذه السيارة العالية التي تعطي شعوراً بالعلو بأنه صاحب حق في امتلاك الشارع لبعض الوقت، وبأنه لم يدفع ثمن هذه السيارة الغالية حتى يمشي عشرين متراً أو عشرة أمتار، أو حتى مترين إذا ركن سيارته أبعد أو أقرب من باب المصرف أو البقالة..
وتذكر قصة الاصطفاف المزدوج هذا بالوقوف المقصود أمام أبواب "الكراجات" الخاصة. ولي معها قصص كثيرة، آخرها في العيد.. فقد ذهبت لزيارة أقارب لديهم مرآب له باب واضح ووراءه سيارات ظاهرة من الباب النفاذ تقول إنه "كراج خاص". ومع ذلك، أوقف أحدهم سيارته أمام الباب ولو بوجود مكان فسيح للاصطفاف على بعد أمتار قليلة. ومن باب الضيافة، أصر أصحاب البيت على استضافة سيارتي، بينما فكرت ببعض اللؤم في ترك سيارتي مصطفة خلفه حتى يخرج للبحث عمن يغلق عليه الطريق.. وبعد أن بحث مضيفيّ عن البيت الذي يحل فيه صاحب السيارة وطلبوا فتح الطريق، جاء "الضيف" بعد ربع ساعة متثاقلاً، ومنتفخاً على نحو يوحي بالعظمة والأهمية. وبالطبع، لم يتكلف عناء الاعتذار أو المبادرة بتحية العيد، على الرغم من الثلاثة الواقفين في انتظاره. وعندما علق أحدنا بأن هذا نوع من طباعنا نحن الأردنيين، تساءل بلهجة استدعاء للشجار: "مالنا نحن الأردنيين؟"، ولحسن الحظ، لم يردّ أحد منا حتى لا يتطور الموقف فينزع العيد. ولم تكن سيارة صاحبنا ذي "السكسوكة" فخمة رباعية الدفع، ولم يكن ضخماً مهيباً، وإنما كان هو خماسي الدفع أو سداسيه فيما يبدو..! وكم اضطر بعضنا للذهاب إلى العمل في سيارة أجرة لأن أحداً أغلق باب "الكراج"، ودائماً مع وجود مساحات كبيرة فارغة للاصطفاف في الجوار القريب.
"الاصطفاف المزدوج"، مع عدم وجود ضرورة لهكذا اصطفاف، تعبير عن مزاج عام.. ويبدو أن الكثيرين يحبّون إغلاق الطريق على غيرهم وفرد صدورهم وأذرعهم لحجز أكبر مساحة ممكنة من الطريق، فقط لمجرد سد الطريق حتى لا يمر الآخرون.. وتنسحب الظاهرة على مسائل أخطر، لتطال طبائع الشخصية الجمعية وسياسات الدول. ويغلب اليوم أن لا نعرف للناس ظهراً من بطن لأنهم يعرضون غالباً نمطاً مزدوجاً وأكثر من الفكر والسلوك، فلا ندري هل الواحد متزمت أم ليبرالي، منفتح أم منغلق، شرقي الهوى أم غربيه، مع العرب أم مع "إسرائيل".. وهكذا..! وما أكثر ما تتغير المواقف بتغير الموقع ووجهة الريح، فيصبح نصيرك بالأمس نقيضك اليوم، ومحاميك في الصباح قاضيك والمدعي عليك في المساء. أما الثابت، فهو عدم الثبات وازدواج الازدواج على شكل متوالية هندسية، حتى بات أفضل مديح يمكن أن نسمعه: "والله أنت لم تتغير".. والتغير في الأصل حالة إيجابية وطبيعية. أما الانقلاب الجذري على المبدئي وفي اتجاه هابط، فلا أدري ما هو..
ربما لن نتخلص من ظاهرة "السائق المزدوج"، إلا إذا تعافينا من فصام "الإنسان المزدوج" جملة وتفصيلاً، وعلى الله الاتكال..!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة