قال ناجي العلي: "هكذا أفهم الصراع: أن نصلّب قاماتنا كالرماح، ولا نتعب". خجلت بداية من الكتابة عن ناجي متخلفا عن ذكرى استشهاده. وقد يختبئ العزيزون في ضباب الأفكار حتى يفاجئونا مباشرة في جريدة، فيعودوا فقط إلى مقدمة الذاكرة، لأنهم لا يكونون قد سقطوا أبدا من الذاكرة. وقد عبرت ذكرى استشهاد ناجي قبل أيام، مكملة ثلاثا وعشرين سنة منذ اغتياله في آب (أغسطس) 1987، ذهبت ناقصة بلا ريشته لتسجل الحدث الفلسطيني، وعلى طريقة ناجي.
أكتب عن ناجي، ولست متأخرا. أولاً لأنني لم أنسه كما توهّمت: فقد وجد ابني سلسلة مفاتيحي عارية وبلا معنى، فعلق فيها مجسما لحنظلة العلي، واقفا معقود اليدين خلف ظهره بكامل الاحتجاج، ناظراً في الجهة الأخرى إلى الخريطة التي تشبه النصل.وتعزّيت بأن ناجي كان صحبتي حدّ الإلفة، فلم أنتبه لشدة وجوده، ولم يعد ثمة سبب لاعتذاري عن النسيان. وأكتب، ثانيا، لأن الحكي عن ناجي بلا توقف واجب مستحقّ، باعتباره جزءا من الحكاية الفلسطينية التي كتب هو في فصولها وانكتب فيها بالحبر والدم، والتي يجب أن نحكيها بلا توقف أيضا، لأن الصمت عنها يعني التواطؤ في دفع الشعب والقضية إلى الاندثار.
لكن ناجي، وحنظلة، (ولا أعرف الفرق بينهما)، يسجلان في هذه الأوقات التي تبدو خطرة، كامل الحضور المنتصر: لقد استعصى الشعب الفلسطيني، الذي يمثلان ضميره وتجليه، على الإبادة والكسر، وانتهى الأمر. ولم يستطع أحد اغتيال "حنظلة" الذي استولده ناجي ليكون، كما قال: "شاهد العصر الذي لا يموت. الشاهد الذي دخل الحياة عنوة ولن يغادرها أبدا. الشاهد الأسطورة. والشخصية غير القابلة للموت، التي ولدت لتحيا، وتحدّت لتستمر". وثمة في آخر هذه الفوضى عنوان يليق بهذا الفصل من الحكاية الفلسطينية: "البقاء الفلسطيني"، الذي تحدّى، ولم يخرج أبدا من التاريخ، ولو معقود
اليدين وممزق القميص.
ثمة الانقسامات، والنكسات، والانتفاضات، وقسوة الحصار، والمخيمات، والمفاوضات المنذورة للفشل وغير المفاوضات، لكن السيرورات الأشمل تعلن قرب نهاية المشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين، الذي حتّمت فشله تركيبته الناشزة الخلوّ من الضمير، والأهم: أدوات البقاء الفلسطيني الخلاقة، من أغاني الأعراس القروية التي لم تُنسَ، إلى البندقية، إلى كتابات كنفاني وأشعار درويش ورسوم ناجي العلي. وقد أثمر احتجاج حنظلة الذي أصر على إدارة ظهره للعالم منذ حوالي أربعين سنة. وأثبت الاحتجاج، بعد كل شيء، أنه واحد من أقوى أشكال التعبيرعن الوجود. والآن، ليس الشعب الفلسطيني وقضيته أبداً في حالة احتضار، حتى مع كل هذه الجراحات والجبائر على أذرع وسيقان "الرجل الطيب".
يعلمنا ناجي العلي تعظيم أشكال التعبير الثقافي التي شكلت أدوات مقاومة لا تقهر، ورسمت الخطوط العصيّة على المحو في بطاقة الهويّة الفلسطينية التي قاومت محاولات الطمس والإلغاء. وقد استهدف العدو ناجي بالاغتيال لأنه جعل من الرسم منشورا تحريضيا وسبيل بقاء. ولا أحد يريد أن يكون حملة المشروع التحرري أهدافا للاغتيال، لكن الندرة الأخيرة في مشاريع الشهداء من المبدعين الفلسطينيين تطرح السؤال: هل سئم العدو محترف القتل من استهداف المبدعين الفلسطينيين لأن غيرهم ينبت كل يوم، أم لأن ممارسة الثقافة أصبحت عندهم، بعد غسان وناجي، مهنة للتكسب وليست قضية، فلم يعد أحد يستحق مؤونة الاغتيال؟ ربما أجاب ناجي بما أعني وبما كان يعنيه حين قال: "اللي بدو يكتب لفلسطين، واللي بدو يرسم لفلسطين، بدو يعرف حاله: ميت". ولا أعتقد بأن ناجي الذي حاور تفاصيل الحياة كان يحبّ الموت، لكنه كان يريد لشعبه الحياة، فكتب ورسم لفلسطين.
رسم ناجي بالأسود، ربما لأنّه لم يشهد في تجربة شعبه سوى السواد. وأدار للعالم ظهر حنظلة منذ حوالي أربعين عاما، وقال: "كتّفتُه بعد حرب أكتوبر 1973، لأن المنطقة كانت تشهد عملية تطويع وتطبيع شاملة. جاء تكتيف الطفل دلالة على رفضه المشاركة في حلول التسوية الأميركية في المنطقة، فهو ثائر وليس مطبّعا". نفس المشهد.!
ومتى يرينا حنظلة وجهه؟ قال ناجي: "عندما تصبح الكرامة العربية غير مهددة، وعندما يسرد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته".؟!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة