رمضان اليوم غير رمضان زمان.. والناس الذين كانوا يستقبلونه بالبساطة والتقارب في المستوى والهمّ، هم أيضاً غير ناس اليوم المتفارقين غير المجتمعين في شيء.. وحتى "اللمّات" العائلية وصلة الأرحام التي يصنعها رمضان، أصبحت تنفضّ بانفضاضه، وبات يغلب أن تنقطع حبالة الود مباشرة بعده حتى "العيد الكبير"، فرمضان المقبل.. وفوق ذلك كله، أصبح سلوكنا الاجتماعي في رمضان يعرض توفيقاً متعسفاً ومثيراً للعجب بين متناقضات لا ينبغي لها أن تجتمع.
فمن حيث الأساس، ينبغي أن يقصد الصوم الزهد في متاع الحياة والانصراف عنه إلى التأمل الروحي. ومن لوازمه أن يكون شهر المحرومين بالذات، حيث يشعر الذي يستطيع بقهر من لا يستطيع، فيمد إليه يداً. ومن شروطه الكف عن الأذى وتنشيط التكافل الاجتماعي وبعث روح التسامح.. ويفترض في ممارسة العبادات والتمارين الروحية عامة أن تجلب على النفس شكلاً من السكينة والرضى.. وهذه كلها بدهيات ارتبطت بممارسة الصيام حتى يكون له معنى غير مجرد الجوع والعطش.
من بداية البداية، يتحول طقس الزهد في الطعام والشراب والمتع إلى إسراف وجنون في الاستهلاك، ويتحول هذا الشهر بالنسبة للكثيرين منا إلى مناسبة للإقبال على الدنيا وفتح الشهيّة على إطلاقها.. وفي كثير من الأحيان، يتحسّب البعض من قدوم الشهر لأنه يرتب عليهم المزيد من المصاريف ويلجئهم أحياناً إلى الاستدانة أو استنفاد الراتب أول الشهر، ولا يكاد يفلت أحد من مجاراة الآخرين في الاستهلاك، وأكثر، إن استطاع.
هذا شأن المستطيع، فماذا عن فقير الحال؟! يزداد إحساسه بضيق ذات يده تعمّقاً، ويشعر أكثر بقلة حيلته وهَوَان حاله، وتتجلى له سعة الفارق بينه وبين ذوي البسطة في أوضح الصور. أما الشعور مع المحروم، فآني في أحسن الأحوال ولا يغيّر الطبع إلا بمقدار صدقة لا يقبلها غالباً ذوو النفوس العفيفة من الفقراء.. وهل يفكر المستطيعون بمناسبة الشهر بكيف يعلمون الناس الصيد بدل إعطائهم سمكة؟! لا يحدث.
يحدث في رمضان، أن يغري جنون الاستهلاك "صائمين" من التجار باغتنام تهافت الناس على ما يلزم ولا يلزم، فيرفعون الأسعار ويعجلون بكسب الدنيا بسرقة جيوب مواطنيهم بحجة ربح التجارة "الحلال". وكنت لأقترح إبقاء الناس على معدلات استهلاكهم العادية، أو حتى مقاطعة المستغل ونبذه حتى تبور بضاعته، لكنه قرّ في الوعي أن وجبة الإفطار الرمضاني الواحدة يجب أن تكون أكبر من الوجبات الثلاث في اليوم العادي، وأصبح من الواجب أن تنتفخ حاويات القمامة بالفائض الذي يزيد كثيرا عما يؤكل.
أمّا الرضى والسكينة، فحدثوا بما تشاؤون عن مظاهر القلق والتوتر، وكثرة الشجارات والعصبية في الشوارع وأماكن العمل.. وحتى هادئ الأعصاب مطمئن النفس، تكون أكثر نجواه: "اللهم إني صائم"، لكثرة ما يصادف مما يستدعي النرفزة من مزاحم على دور؛ وسائق لا يترك له فسحة لعبور الطريق؛ وزميل متعجل وعصبي يضغط على أعصابه ويحثه على إسراع بلا مبرر، وغير ذلك الكثير.
ويحدث في رمضان أن يطير السواقون على الطريق، فيصبح الصوم رخصة لإيقاع الأذى والقتل. وإذا كان أحدنا مدعواً إلى إفطار أو مضطراً لركوب الطريق، فإنه يخوض مجازفة محفوفة بالقلق والتوقع. وسيّاراتنا دائماً آلات قتل متحركة، لكن السواقين "الصائمين" يصبحون أكثر نزقاً فلا تعرف من أين ينقض عليك الواحد وكأنما انبثق من الأرض. وأكثر المواطِن خطراً يصبح تقاطع الإشارات الذي ينبغي أن يكفل لك الأمان، فيقطع جائع مسرع الإشارة الحمراء ليكسب من الوقت دقيقتين فيتأخر ساعتين، وقد يصبح قاتلاً عمداً أو متسبباً لغيره ولنفسه بلا شيء سوى الخسران.
لا يفترض في رمضان أن يكون انقطاعاً عن سياق السلوك الاجتماعي العام إلا بقدر تعزيز الإيجابي ومراجعة السلبي.. ويحدث الآن أنه لا يشكل انحيازاً أيضاً عن السياق الاجتماعي العام، لكنّه يبرز السلبي، ولا يستدرج سوى مراجعة عارضة لا تغير سلوكاً ولا تكسر نمطاً. وما يزال رمضان يملك، مع ذلك كله، امتياز جمع الأمة والثقافة الهائلة على طقس واحد، ولا ينبغي أن يكون ما يجمع الناس هو الشره، والانفصال، وكثرة الأذى.!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة