أفكّر في أحزاننا المؤجّلة. في هروبنا المستمر من الحنين، ومراوغتنا لما يذكرنا بالراحلين، علّنا نراوغ احتمال البكاء، فنخدعه.. ولم تحملني حاستي البسيطة إلى جوهر المعنى حتى صادفته، جاهزاً ومكتملاً، عند محمود درويش بينما أتهيأ للوقوف أمام ذكرى رحيله: "نُخزِّنُ أحزانَنا في الجِرارِ، لئلا يَراها الجُنودُ فيَحتفلوا بالحِصَار/ نُخزِّنها لِمواسِمَ أخرى، لِذكرى، لِشيءٍ يُفاجئُنا في الطريق/ فحيَن تَصيرُ الحَياةُ طبيعِيّةً، سَوفَ نَحزَنُ كالآخَرينَ/ لأشياءَ شخصيةً خبَأتْها عَناوينُ كُبرى".. وربما هكذا، مرّ رحيلُ محمود من دون أنْ ينفطر القلبُ تماماً.. ربّما لأننا خشينا أن يرى الجنود حزننا، فيشمتوا. وربما لأن حضور محمود كانَ كثيف الحضور، فتقاصر بجنبه الغيابُ، أو لم نكن نحبّ أن نراه.
والآنَ أيضاً، أفضّلُ إبقاء الحزن على رحيل محمود في الجرة المليئة، في انتظار أن تصبح "الحياة طبيعيةً"، حيث يمكننا أن نستريح ونتفقد جرارنا وما نسيناه فيها.. لكنّ الأرض أصبَحتْ بعد رحيل محمود أقلّ شعراً، ولم يعد يتسنّى لنا، نحنُ العاديين، أن نتحاور مع الأشياء من حولنا، وأصبحنا أكثر غربة. ولو كنّا شعراء، لتعثرنا بالقصائد واشتبكت بها ملابسُنا في الأرض التي تمور بالقصائد المعربشة على الحصى المتعرق، وورد السياج، والحديقة، والقهوة والبرتقالة، والانتظار، وزهر اللوز، وأبعد. لكننا لسنا مثل محمود، الذي اختارته العواطف ليجد لها الأسماء ويحكيها لنا ويدلنا عليها. وحتى لو سمعنا، في لحظة تجل، بوح الأشياء، فإننا لا نملك، مثله، إمكانية إنطاق العاطفة، فتبقى بكماء، والدنيا بلا قصائد.
ولا يمكن أن أقف هنا على العالم المترامي الهائل الذي هو تجربة محمود. وإنما يصيبني كلما تذكرتُه هاجس رباعيته التي ربما لا تكون أجود ما كتب، ولا آخر ما كتب، لكنني أحسّ بأنها تقول محمود-الشاعر كله: "لا أريد المَوت، ما دامت على الأرض قصائد، وعيون لا تنام/ فإذا جاءَ، ولن يأتي بإذن، لنْ أعاند/ بل سأرجوه لكي أرثي الختام".. وكأن الشعر كان هو علاقة محمود بالحياة، وكأن مهمته كانت نسج الخيوط التي تصِلُنا نحن بالحياة.. ولا أحبّ كثيراً أن أستخدم المصطلح النقدي التقني "العام والخاص"، لكنني لا أجدُ شيئاً آخر يمكن أن يعوض عن القول بأن خصوصية محمود كانت هي نفس العموميّة الفلسطينية. وعندما كانَ يقول، فإن أول خاطر يرد إلى ذهن الفلسطيني المثقل بالخواطر: "لقد قُلتَني بأبلغ كثيراً مما كنتُ لأقول.. أو بما لم أكن لأستطيع أن أقول"..! ولم يكن محمود يقولنا، مسطّحين أو بصراخ بلا معنى، وإنما يقولُنا بمزيجنا كلّه، بلا ضجيج ولا ألعاب نارية.
كان محمود-الفلسطيني يراوح دائماً على الجسر المعلق على نهايتين، في حوار لا ينتهي مع آخره الشخصي، وفي حالة استغراق بتشخيص البدايات، والطرق على جوانب النهايات المغلقة على الغيب. وكانت "أوديسته"، ونحن معه، مليئة بما يستحق الرواية من الغرائب والآلهة وأنصاف الآلهة والوحوش. وفي التجارب الملحمية، لا ملحميّة من دون من يكتشفون الملحمية في الأشياء، مثل "هومر" و"درويش".. ولأن أوديسيوس الفلسطيني لم يتخلص بعد من خُطّاب بينيلوبي ومغتصبي العرش، فقد ذهب محمود وترك الملحمة ناقصة، وربّما ستكتمل ذات يوم، وإنما أيضاً بشِعر أقلّ.
قبل عامين، مضى محمود إلى آخر العالم، علّه يستعير المزيد من الوقت ما دامت على الأرض قصائد، لكنه عاد، مثل صاحبه القديم، "في كفن".. ولم يقيض له أن يشهد النهايات، إن كانت ثمة نهايات في الشعر. وهو لم يكن يحب النهايات، لكنها فاجأته، فأصبحت اللغة أكثر يُتماً: "قال لي كاتب ساخر: لو عرفت النهاية، منذ البداية/ لم يبقَ لي عَملٌ في اللغة".. والآن، نحاول، نحْنُ العاديين، استكشاف النهاية والعمل في اللغة، وإنما بعد محمود، بالكثير من التعب، وبالقليل من الحصاد، وبشِعر أقلُّ.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة