لن أحكي عن الهوية بالمعنى الأنطولوجي، ولا الجيوبولتيكي ولا الميتافيزيقي، وإنما عن بطاقة هوية عادية.. وأؤكد: "الأشخاص والأماكن في هذه الحكاية -عدا الراوي- وهميون.. وأي تشابه بينهم وبين الواقع غير مقصود، ولأغراض القصّ فقط".
حدث ذلك في أواسط نيسان قبل سنتين: أودعت بطاقتي الشخصية في مركز أمني لكفالة مشترك في حادث سير، حتى يأتي صباحا إلى المحكمة، ولم يعطوني وصلاً بالاستلام. وفي الصباح التالي صحبت المكفول إلى المركز، فالمحكمة، ولم يعطوني هويتي، فاعتقدت بأن ذلك طبيعي. وبعد أيام، راجعت المركز لاستعادة هويتي، فبحثوا عنها في الأدراج، والخزائن، وبين الأوراق فلم يجدوها. قالوا: عد بعد أيام.. سنبحث عنها "على رواق". وأعطيتهم وقتاً للرواق، فعدت بعد عشرة أيام أو نحو ذلك. وبالطبع، كان المناوب جديدا، فاضطررت -بعد أن تفضل بمحادثتي- إلى شرح قصتي من أولها. وعندما مرّ الضابط الذي أخذ هويتي وكان ودوداً ليلة "الكفالة"، تعلقت به وذكرته بنفسي فلم يتذكر، وتركني بعد وصية عابرة.
والصحيح، اجتهد المناوب، فاستخرج بطاقات من الدرج، وفندها فلم يجد هويتي بينها، وفرد يديه بمعنى: شو أعمل لك؟! واحترت، ثم اصطنعت الأهمية، واستعنت بهيبة البدلة التي ارتديتها رغم الحر، وطلبت مقابلة المدير متأففاً من تضييع وقتي، فرأى الرجل أن يتفقد البطاقات ثانية، ثم قام بكسل وجرد قائمة أسماء معلقة على الجدار، وقال: "آه، قلت لي شو اسمك؟.. حوّلنا بطاقتك إلى دائرة الجوازات مع الهويات المفقودة". وكتب لي رقم الكتاب وتاريخه، وقال: "بوجهك على جوازات الدوار الثالث".
وإلى الدوار الثالث، فأين دائرة الجوازات التي أتذكرها هناك؟! وعلمت، بعد أن وجدت أحداً أسأله، أنها انتقلت إلى الدوار الأول من زمان. فإلى الأول، فالوقوف في الطوابير حتى أعرف أين أراجع، فالمكتب المختص، فالشخص المختص الذي بحث، فلم يجد الكتاب ولا الهوية ولا شيء، وفرد يديه بإشارة "شو أعمل لك؟! ثم تذكر شيئا، فسأل: "قلتَ إنهم أرسلوها منذ 10 أيام؟ لقد حولناها إلى المكتب الذي صدر منه دفتر عائلتك". وهاتفت المنزل، وأملوا عليّ رقم الدفتر، والرقم الوطني، وتاريخ الإصدار، وأسرعت إلى المكتب البعيد.
وهناك، ضاق صدري حتى عرفت أي شباك أراجع. وتصفح الموظف الضجر بعد أن وصلته بطاقات أمامه بلا عناية، وقال إن بطاقتي لم تصل بعد، و.."راجِعنا بعد 15 يوم".. وراجعت بعد 20 يوما، ولا بطاقة.. وبعدين؟ وألهمني الله أن أقول شيئاً عن التعطيل والجريدة. وتصوروا، نفعت كلمة "الجريدة" بشكل ما، فاستدار الموظف الضجر نفسه، وفتح لي باب غرفة مدير مكتب الأحوال. والحق أن المدير استمع بعناية، واتصل بالدوار الأول، وبدا من حديثه أنه غير راض عما يسمعه من الدوار الأول، ثم قال: "سأساعدك.. أريدك فقط أن تأتيني من المركز الأمني بصورة عن كتاب التحويل، وسأعطيك هوية وأنت واقف". عدت إلى المركز، فقالوا إنهم لن يعطوني صورة عن أي شيء. واستغثت بآمر المركز الذي كان ودوداً أيضاً ليلة "الكفالة"، فأكد الرفض.. وطلبت أن يسجلوا بلاغاً عن ضياع هويتي لأستصدر بدل فاقد، فقالوا: "أيّ فاقد ولديك هوية حولناها إلى الجوازات؟". وعدت إلى صاحبي مدير مكتب الأحوال فلم أجده، وقابلني نائبه بعد جهد، وقال إنه ليس معنياً بشيء ولا يعرف شيئاً عن شيء، (ولم تنفعني "الصحافة").. ووقفت أمامه متسائلاً، ففرد يديه.. وبقيت "بلا هوية"، ولو أن معي دفتر عائلة، وجواز سفر، ورخصة سوق، وهوية الصحيفة، ورابطة الكتاب، وجامعة رسمية، ولم أستطع أن أصرف بها كلها شيكاً بلا واسطة ومعرفين.
بلا طول سيرة، وما أكثر التفاصيل: حصلت على بطاقة هوية جديدة في الخريف التالي، بعد 4 شهور، وبالواسطة.. وفي 5 دقائق من البحث الجاد، ظهر كشف المركز الذي عليه اسمي. وغرّموني فقط رسوم الهوية الجديدة التي أضاعوها طبعاً. وما أزال أتساءل: أين هويتي التي ضاعت؟. وماذا لو وقعت بيد أحد استخدمها لأمر غير مشروع وخبأه لي في التنفيذ القضائي؟. الله يستر.!
طبعاً، كنت أمزح. وأنتم تعرفون –بخبرتكم- أن هذا كله خيال كاتب، ولا يمكن أبداً أن يحدث هنا في الأردن.!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة