لو لم يكن محدّثي من الثقات، وأعرفه كما أعرف نفسي، لما صدّقت.. كان الحاضرون قد بادؤوني بالخبر: ذهب صديقي أخيراً ليحصل على تأشيرة لزيارة أميركا -ربما في محاولة لإثارة غيرتي وحثّي على المحاولة التي أتهرب منها من سنين.. ومباشرة، قال صديقي بسؤال جوابه فيه: "أتعرف أنهم أرسلوني إلى السفارة الإسرائيلية؟"، واعتقدت أنني لم أسمع جيداً، ولم أفهم الصلة، فطلبت التوضيح، وحدثني بما يلي، لا أكثر ولا أقل:
"ذهبت إلى السفارة الأميركية بعد أن قدمت طلب تأشيرة وحددت موعداً على الإنترنت. وقابلني موظف تأشيرات يتحدث العربية بطلاقة. وفي جزء من المقابلة، سألني عن الدول التي زرتها في الفترة الأخيرة، فذكرته بجواز سفري المنتهي الذي أحضرته له، وعليه تأشيرات تلك الدول، بما فيها سورية وتركيا وبلجيكا ومصر. وتوقف الرجل عند مصر، فسألني إن كنت قد سافرت إليها برّاً أم جواً. وعندما قلت له إنني سافرت إليها برّاً من العقبة، أعاد السؤال وأعدت التأكيد. وقد استنتجت مما حدث بعد ذلك أن المسافر إلى مصر برّاً من العقبة ربما يخضع لتدقيق أمني من إسرائيل قبل السماح له بالعبور، وربطت ذلك بتأخير يقارب الساعتين قبل استئناف الرحلة من العقبة".
"وسألني موظف السفارة إذا كنت قد زرت إسرائيل أو الضفة الغربية (وعبر صديقي عن استغرابه من استخدام الموظف تعبير ‘الضفة الغربية’)، فأجبته بأنني لم أزر أياً منهما. وخشيت أن أخفي عنه أي معلومة فيرفض منحي التأشيرة، فأعلمته بأني كنت حاولت تحصيل تأشيرة زيارة من السفارة الإسرائيلية، ورفضت. عندها، أعطاني بطاقة صفراء، وكتب في خانة فيها طلب إحضار ‘حسن سلوك’ من السفارة الإسرائيلية. واستغربت طلبه ولاحظ ذلك، فأكد الطلب. وحملت بطاقتي الصفراء وذهبت إلى السفارة الإسرائيلية (حدثني عن تعقيدات الدخول والتفتيش المزعج والتعطيل)".
قال: "عندما وصلت الشباك الذي حددوه، قالت الموظفة هناك إن بطاقتي الصفراء لا تنفع، وطلبت مني إحضار كتاب رسمي من السفارة الأميركية. وعندما عدت إلى الأميركي نفسه الذي قابلني، قال إنه لا ضرورة للكتاب. وعندما أكدت له أنهم طلبوا مني كتاباً، طبعوا لي واحداً في خمس دقائق، عدت به إلى السفارة الإسرائيلية. وبعد الخضوع للتفتيش نفسه، دخلت ورافقتي امرأة مسنة لا أعرفها، جاءت أيضاً من أجل حسن السلوك. وقد نبهتها إلى أن الورقة الصفراء التي معها لا تنفع، لكنها أصرت على المحاولة. وفي الداخل أعادوها أيضاً لتحضر كتاب السفارة الأميركية، وطلبوا مني أن "أفهمها بالعربي" مع أنهم يتحدثون العربية. أما أنا، فأخذوا مني الكتاب، وتقاضوا مني مبلغ ستة دنانير رسوم حسن سلوك. وقالوا إن السفارة الأميركية ستتصل بي عندما يرسلون إليها المطلوب، وأحسست لحظتها بأنني مضروب على رأسي ولم أفهم كيف حدث هذا!".
هذه قصة صديقي باختصار وبأكبر قدر من الدقة. وقد أثارت لدي القليل من الاستغراب والكثير من الأسئلة، ولو أن الجواب واضح كالشمس: لماذا لم يطلب موظف السفارة من صديقي مراجعته بعد أسبوعين مثلاً، يستعلم خلالهما عنه من السفارة الإسرائيلية (الصديقة) بطريقته إذا كانت لديه شكوك، بدل تعمده إرسال صديقي بنفسه إلى هناك؟ وكيف تطلب سفارة من أردني إحضار حسن سلوك من "دولة" أخرى ليس مواطناً فيها -إسرائيل بالذات، والرجل مولود في الضفة التابعة الآن للسلطة- وليس من دولته أو سفارة عربية؟ وإذا كان صديقي فوق منتصف العمر، وربما "يهدد" إسرائيل في شيء (ليس له نشاط سياسي بالمعنى المتداول)، فماذا عن المرأة العجوز التي أرسلوها أيضاً لإحضار حسن سلوك؟ وما شأن أميركا بما إذا كان الإسرائيليون راضين عن أردني أم "مقموصين" منه؟ ولماذا لا يضيفون طلب هذه الورقة إلى طلب التأشيرة؟.
جواب ذلك، فيما أحسب، هو أن السفارة الأميركية تريد "تشغيل" السفارة الإسرائيلية المتبطلة هنا، وتزويدها بالزبائن، إجبارياً، ليصبح لوجودها وظيفة ملموسة. كما أنه لا بأس، بالمرَّة، من جبي إتاوة "رسوم" للإسهام في إدامة السفارة والكيان الذي تتبعه.. ورسالة السفارة الواضحة هي: "إذا كنت تريد القدوم إلى أميركا، فعليك بأن تطبِّع وتعترف بشرعية الاحتلال، أو ‘فرجينا عرض كتافك’..!".

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة