مضى يوم انتخاباتنا الوطنية التي ملأت دنيانا وشغلتنا بعض الوقت. وعبر الناس رحلة أمس، اليوم الذي توج الموسم، كلٌّ على طريقته: ثمة الذين رتبوا يومهم منذ الصباح للانتخاب مدفوعين بشتى النوازع: منهم من اندفع بكامل الحماس، مقتنعاً حتى العظم بجدوى المجلس النيابي وقدرته على التغيير؛ ومنهم من هبّ لنصرة قريب لغاية رفع اسم العائلة أو القبيلة، ثم التباهي بأنه يمت بصلة قربى لشخص مهم؛ منهم من ذهب آملاً بأن يكافئه النائب المقبل بتوظيف أولاده أو تسليك معاملاته؛ ومنهم من انطلق بكامل قيافته لمجرد الاحتفاء بأهميته الشخصية التي ظهرت فجأة، عندما قصده مرشح في منزله وأكد له أن صوته بالذات سيكون رمانة الميزان، والذي سيقرر مصير الأول، نجاحاً أو رسوباً. وثمة آخرون ممن اعتبروا مجرد الحصول على يوم عطلة مكسبهم الوحيد من الانتخابات، فاستغلوا الفسحة لوصل رحم أو زيارة صديق، أو ربما في رحلة خلوية مع العائلة للهش والنشّ والتمتع بآخر الدفء قبل هجوم الشتاء.
كل هذه تفاصيل، ولو أنها غير فائضة وتؤشر على الكثير. لكن المهم، بغض النظر عن الدوافع ومن انتخب ومن قاطع، هو العنوان الكبير الذي تخاض على أساسه أي انتخابات في الدنيا، والذي ينبغي أن يشارك على أساسه أي ناخب: "التغيير". وقد استخدم الرئيس الأميركي باراك أوباما هذا الشعار الموجز بالذات، فوصل به إلى البيت الأبيض. لسنا أميركا، نعم. لكنه لا يمكن الحديث عن أي حراك يزعم لنفسه الديمقراطية، مهما صغر، أن يبتعد في الأخير عن هذه الغاية: "التغيير"، وإلا، فما الغاية؟
أما "التغيير" الذي يعني ناسنا مباشرة، بمختلف طبقاتهم ونوازعهم، فهو أن يشهدوا تحسُّناً وتغيراً تمكن ملاحظته والتحدث عنه في تركيبة همهم اليومي. يريد واحدنا بكل بساطة: أن يعود مساء لأبنائه بقدر مناسب من الخبز؛ أن يتمكن من النوم بلا مهدئات، وهو يثق بأن الغد لن يحمل له مفاجأة ربما تقلب حياته رأساً على عقب وتلقي به على الرصيف؛ أن يطمئن إلى أن أولاده سيتمكنون مع متابعة الحياة من دون هذا الكثير من الضنك، فيعملون ويتزوجون تحت سقف لا يمكن لأحد أن يخرجهم من تحته إلى العراء؛ وأن يأمل بشيخوخة آمنة قليلاً، يحتفظ فيها بما يكفي من الكرامة لأيامه الأخيرة في حال عقّه أبناؤه أو مالت به الحال.
مطالب بسيطة، بل أبسط ما يستحقه كل واحد منا حتى يكون لحياته شيء من المعنى. ولم أتحدث عن المطالب العليا التي لا تنفصل حتماً عن المطلب اليومي، والتي تقدم له وتختمه: أن أسير في شوارع بلدي وأيامه حرّاً، كما ينبغي لي، في التحدث إليه وعنه. أن أحسّ بأن كل حجر ووردة وبرج لي، أنتمي إليه وينتمي إليّ، ولا أحس بأن كل شيء معاد لي لأنني بسيط وعادي. أن أكون ممتلئاً بالشعور العزيز والضروري: الكرامة.. فما الوطن بعد كل شيء سوى حيث أكون كريماً؟
سيقول لي البعض في هذا الصباح: أين شطحتَ أيها الكاتب؟ وأي معجزات تطلبها من مجلس نواب، مجرد مجلس نواب؟! هل أنت من خارج هذا الكوكب؟! تأمل أحلامك، إذا كنت واقعياً، فستجدها كبيرة على مقاسنا. إن أحلامنا هي التي تتغير، وهي تمر يومياً تحت مكبس هائل الوزن، يضغطها لتصبح كل يوم أصغر، وربما ينتهي بنا المطاف بأن نكتفي بافتتاح يومنا بمجرد الاكتشاف المدهش: "ما زلت حيّاً، ألفُ شكر للمصادفة السعيدة!"
يقول كاتب عن الديمقراطية والتغيير في الشرق الأوسط: "إن مصالح الولايات المتحدة لا يمكن أن تتعايش بسلام مع الديمقراطيات الحقيقية في المنطقة". وإذن، فإن مصلحتي في الخبز والديمقراطية لا تتعارض مع أقل الولايات المتحدة، وليست في يد مجلس نواب محلي. معقول. ولكن أيضاً: ما معنى أي شيء إذا كنا نستيقظ اليوم على ما ودعنا به أمس؟! وإذا لم يعدني هذا الصباح بتأمين خبزي وأمني وكرامتي، فما الغاية؟! لا أظن أن أحداً يقبل بأقل من أشيائه هذه، ولا أظنها مطالب شاعر حالم. هل ثمة "تغيير" اليوم؟ آمل أننا استيقظنا على جديد هذا الصباح.!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة