للذاكرة الإنسانية شأن عجيب، ولعمل الوعي -أو اللاوعي- شؤونه أيضاً. كثيراً ما يشعر الواحد بأن ذاكرته خذلته، أو خدَعَته، وكأنها آخَرٌ يشاكسه وما هو منه. وليس ذلك من باب الفِصام المرَضيّ بالضرورة، فقد اعتاد الناس مناجاة النفس أو معاتبتها باعتبارها بعض الذات أو خارج الذات. وجرّد الشعراء من أنفسهم "صاحباً" أو "خليلَين"، خاطبوهم وأقاموا معهم حوارات بين نظرتين. وربما كانت من ذلك قسمة الإنسان الواحد إلى عقل وقلب يتحاوران، أو عقل ونفس، أو عقل وهوى... إلى غير ذلك من الثنائيات المتفارقة في الطبع، والمندغمة مع ذلك في كلّ هو الواحد نفسه. وقد دعتني إلى التساؤل عن الوعي والذاكرة حادثة:
فقد قرأت أيام الطفولة قطعة أدبية كلها روعة للكاتب المصري المبدع أحمد حسن الزيات بعنوان "ليالي الحصاد". ولشدة إعجابي بإيقاع اللغة ونمنمة المفردات، حفظت ذاكرتي الفتيّة آنذاك شطراً منها ظللت أستدعيه فأستشهد به كلما دار حديث عن جماليات العربية. يقول المقطع: "كان صوتُ أمينةَ الوتريُّ الرَّخيم، يموجُ لذيذاً في مَسْمعِ الليل المُقمِر السَّاجي.. وكان أترابُها يُرَجِّعنَ عليها اللحنَ ومناجلُهنَّ في أيديهن تجُزُّ سيقانَ القمح، فتسمَع لكلِّ ذلك خشخشة آلةٍ موسيقيَّةٍ غَريبَة...".
وقد ضاع كتاب الأدب القديم الجميل من الأيام الجميلة للتدريس والمدارس. ورغبت العودة دائماً إلى مقالة الزيات بدفع الحنين والاستزادة في المتعة، فأعياني طلبها ولم أجدها. واستعنت أخيراً بذاكرة الشبكة ومحركات البحث، فلم أجد مقالة "ليالي الحصاد" كاملة، وإنما عثرت على عبارات منها اقتبسها آخرون فحسب، ولم تكن من بينها العبارات التي أتذكر. ونسيت الأمر حتى وصلتني صلة موقع إلكتروني يضمّ خزانة لأمهات الكتب، وكان من أول ما استقصيت اسم الزيات، فعثرت على نسخة مصورة بالماسح الضوئي من كتاب "المقتبس من وحي الرسالة"، الذي وضع فيه خليل الهنداوي وعمر الدقاق مقدمة مطولة عن الزيات، ثم ضمناه قسطاً وافراً من مقالاته، وفيه وجدت قطعتي المبتغاة "ليالي الحصاد"، فابتهجت.
وعلى الفور، انكفأت على النصّ الجميل أطالع سطوره بشغف، بحثاً عن عبارتي التي ألحّت بها الذاكرة كل هذه السنين، فلم أجدها. وعاودت القراءة مرة فمرة، كانت آخرها قبل الدفع بمقالتي هذه إلى النشر، ولم تكن عبارتي المحببة هناك.. وتوثقت من أرقام صفحات الكتاب، حتى لا تكون صفحة قد انزلقت من النسخة المنقولة إلى الحاسوب، فألفيتها متتالية مضبوطة.. وقد وجدت "أمينة" في النص، لكنها جاءت في سياق مختلف تماماً. كانت الجملة تقول: "كنتُ لدى ساقيةِ الغَيط الراقدة في كلَّةٍ من أغصان الصَّفصاف المرسَلَة حين ارتفع صوتُ أمينةَ الحنون بالأغنية الشجية التي تمَتع الأذن والنفس"، ولم تكن هذه نفس "أمينة" التي أذكرها، ذات الصوت الوتري الرخيم.. عجباً!
في البداية، اعترتني الخيبة لأنني لم أعثر على عباراتي، ثم اختلف عليَّ شعور بالغبطة: تصوّرت أنني ابتدعتُ تلك العبارة عن صوت أمينة الرخيم وأترابِها الحاصدات من عندي، ربّما متأثراً بمناخات النصّ الآسر وسطوته، وأطريْتُ نفسي على دفْق لغتي وانسيابها على هذا النحو.. لكنني تساءَلتُ استغراباً: كيف أوهمتني ذاكرتي لما يقارب أربعة عقود بأنّ النصّ الذي أحفظه وأردده هو للزيات؟! ومن أين جاءني هذا الكلام السلسل الرقراق الذي أمكن أن ينسلّ إلى نصّ كاتبٍ هائل اللغة وجزل العبارات كالزيات، فيندغم في نصّه ويدخل في إيقاعه وكأنه منه؟!
وعارضت نفسي: إن "أمينة" وغناءها في العبارة التي وجدتها في النصّ عن الكلة والصفصاف تبدو مقطوعة من السياق وبلا إحالة إلى سابق، وبدت عبارتي عن صوت أمينة الرخيم مقدمة مناسبة للحديث عن صوت أمينة الحنون الذي ارتفع بالأغنية لدى ساقية الغيط.. وملتُ، تحوطاً، إلى استنتاج أن الزيات ربما يكون نشر نسخة أخرى من قطعته البديعة في مكان آخر ضمّ العبارة التي أحفظ، وأن مؤلفيّ الكتاب الذي وجدتُ أسقطا "عبارتي" سهواً. وباختصار، وجدت من الآمن أن أعتبر ذلك الكلام الحلو ليس لي، لكن الحادثة جعلتني في شك من إخلاص ذاكرتي بعد هذه العشرة: ربما تميل –على كبر- إلى اللعب وممارسة الأخاديع والمماحكة، وربما من باب الود..!؟

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة