لم يكن لدينا من طعام، سوى لُقمة الوعد. تشاركنا ويمّمنا شطر البحر. كانت مجموعة من الصغار يسيرون حُفاة ويدندنون في نبرة يحتويها البكاء.

مددنا لهم الأكفّ والأفئدة.

تحسسنا خوفهم، شاركناهم صخبهم ودنونا من خفقات قلوبهم

وبايعناهم ولاية العافية.

قلنا يا قوم، نحن أبناء الأرض الواحدة، والسماء التي تمنحنا القمح، تعطيكم النخيل والاعناب.

هل نشارككم خبزكم، ماءكم، نركم؟

نعلّق وجوهكم، قلائد نرتديها؟

السفهاء، يا بني قومي، احتسوا دمنا، تاجروا ب» يوسفنا» وباعوه لقطاع الطرق، وفي أبخس الأثمان.

ومنذ ألف عام ونحن نستعطف إخوته، الأّ يتركوه للذئب»شهيدا».

وها هي النسوة، من جديد، يُقطّعن أيديهنّ « من خِلاف»، واليئر فاغرة فاها

تنتظر أجمل الفتيان.

أيتها المدينة التي فقدت نصف وعيها، وما زالت تترنح بالنصف الباقي. جئتُ إليكِ أستردّ ودائعي (الحب والأمان والأحلام)، وأرهنُ لديكِ أساور التعب.

حين كنتُ أبكي، في ليلكِ مرتعشا، كانت الأسماك تطل من بين اصابعي. تهجر شِباك الصيادين وتمسح دمعتي الأخيرة.

ليت نوارسك تعيد لقلبي ما انكسر

ليتها تعيد.. ما انكسر

اعتيادا ، أسألك العفو عمّا سلف.

شغفا أترك مصباح الأمل يتجول عبر سرير أحزانك طليقا كل مساء، حين أعود ملوّثَا برائحة السجائر، وبفناجين القهوة الباردة.

شوقا ، أسألك العفو عن عام يمرّ دون حب. عن لحظة الوداع القادمة دون ان تصحبني تحية الصباح الفاترة.

مدينتي الجميلة..

هذي الأمسية

رأيتك ممزقة مثل ليالي الخريف

تعبثين بطوق اسورة، وبغصن ياسمين.كنتِ أيتها الرائعة، تختصرين مساحة قلبي اليكِ.

كنتُ ألمح فيك وجه حبيبتي الغائبة

أين تأخذين حبيبي

هذا الكيان السوسنيّ

وتمضين مشتاقة للهروب؟

ها أنت فضاء وارضا وسماء

وشوارع مثل شراييني

تغتسلين بأسئلة بلا إجابات

وها أنا»إبنُكِ» يسافر في الكلمات بلا انتهاء

يتدثّر بشجر الزيتون وبشيء من الكوثر

وبالكثير من الصمت والدهشة

أخاف عليكِ من لصوص تسللوا الى غرفتك وسرقوا ابتسامتك ولونك وشهقة طفل كان ينام في سريرك

أخاف عليكِ

أخاف عليكِ.

بقلم: طلعت شناعة.​


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   طلعت شناعة   جريدة الدستور