محظوظ من يذهب الى «وسط البلد» مرتين في الاسبوع؛ وقد كنتُ محظوظا، على غير العادة.
ذهبتُ الى «شارع الطلياني» للقاء الثمانينيّ غالب أبو صالحة والد الإعلامية نسرين أبو صالحة بعد ان علمتُ انه أصدر كتابا عن عمّان بعنوان «ذكريات عمّان أيام زمان». وحين تسلّقتُ الدرجات القليلة المؤدية الى منزله القديم، أدركتُ أنني أمام صاحب تجربة غنيّة في موضوع ومدينة أعشقها حتى الثمالة.
قلتُ له: نحن شريكان في الحب.
وبعد أن قدم لي القهوة، قال: عندي عمّان أحلى من باريس.
وبينما كنتُ أتأمل أرشيفه القديم وصور عاصمتنا العتيقة، تأكدتُ من حب الرجل الذي وُلد في نفس المكان وتوارثه عن والده وجدّه.
كان يتحدث عن عمّان في الثلاثينات والعائلات التي سكنتها والأسماء الأُولى للأحياء والشوارع العمّانية وكأنه يروي قصة حب مرّت عليها السنون لكنها لا تزال «طازجة» في قلبه.
طبعا عمّان التي تحدث عنها أبو صالحة ليست عمّان الحديثة. فقد كانت حدودها بالكاد تنتهي عند أطراف «جبل عمّان» من ناحية «وسط البلد».
كانت الحياة بسيطة جدا، والناس معروفون بالواحد.
أخذتُ كتابه وسرتُ أبحث عن «روح» عمّان أو ما تبقّى منها.
وعلى طريقة «احنا بنصلّي ع الحاضر»، أخذتُ أستمتع بكائنات وسط البلد. واقارن بين ما قاله غالب أبو صالحة وبين ما أراه الآن.
كانت الأماكن تحكي لي ذكرياتها القديمة. وكانت عيناي تقومان بما تقوم به أصابع الفنان الذي يشطب كل ما يزيد عن جماليات اللوحة.
وهو ما فعلته أول أمس/الجمعة، حين نزلتُ وحيدا بهدف المتعة فقط،وعبرتُ «شارع طلال» من جهة «رأس العين»، متأمّلا ألأرصفة التي امتلأت بالخردوات والملابس القديمة والمستعملة، والاجهزة الخلوية التي أصبحت تشكّل ظاهرة عمّانية «عالمية» يوم الجمعة والعطلات بامتياز. غابة من السيقان الرجّالية والولاّديّة، وأيدٍ تغوص لالتقاط ما ظنّ صاحبه انه «رخيص» ومفيد و»يلزم» له.
كنتُ حزينا لأن أقل السلع عليها طلبا هي «الكتب» التي ربما تخلّص منها أصحابها لضيق مادي أو أن أبناءهم ألقوها في الشارع بعد ان مات آباؤهم.
فقراء وأثرياء وأصحاب مزاج وهواة مثلي، يلتقون في «وسط البلد» بحثا عمّا يفتقدونه في «عمّانااااتهم» المختلفة.
يلتقون في «صحن المدينة»، ويلتهمون الذكريات.. الذكريات فقط
| .
بقلم: طلعت شناعة.
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة طلعت شناعة جريدة الدستور
login |