تحتشد آفاق المنطقة بالغيوم.. وليست غيوم المطر الذي ربما أصبح يأنف النزول في هذه البقاع المنفرة التي لا تغري بالزيارة، وإنما غيوم موت يتجمع لينهمر على غزة المكلومة، كما يتنبأ المراقبون. وربما تكون المذبحة المتوقعة في رقاب أهل القطاع أكثر فتكاً من تلك التي ثكلتهم في مثل هذه الأيام قبل سنتين فقط. والحقيقة أن فصول حكاية الاحتلال الوحشي لفلسطين هي أغرب فنتنازيا -واقعية، يمكن أن تبتكرها أكثر المخيلات جموحاً. وثيمتها الأساسية: إن الدفع بمشروع استعماري غاشم وغير إنساني، وتأمين "نجاحاته" واستمراره، تتم فقط بممارسة المزيد من الوحشية واللاإنسانية نفسها!
ثمة كل ما يدهش في المنطق المقلوب بالكامل، الذي يعمل وفقه هذا المشروع. فالأصل في الأمور أن يجُبَّ حسن الخواتيم سوءات البدايات، ويجلب لصاحبه شيئاً من الغفران. أما في حالة الكيان، فإن كل جريمة جديدة يقترفها تعفيه من جبال الجرائم التي راكمها قبلها في تاريخه المريع، وتزيل بطريقة سحرية كل الأوراق القديمة من الملف، لتقعد وحدها هناك، وكأنها كل ما في الأمر. ومرة تلو المرة، يفلت الكيان من التجريم والعقاب عن الجريمة الجديدة، على طريقة عرّابي المافيا القتَلة في الأفلام الأميركية. ولنتأمل:
كانت آخر قضية مدرجة في سجلات "المحكمة الكونية" الوهمية ضد الكيان هي قتل الناشطين المسالمين في أسطول حرية غزة بدم بارد. وقد جبّت هذه القضية مذبحة "الرصاص المصهور" في غزة قبل سنتين؛ التي حلت بدورها محل مذبحة قانا الثانية في لبنان 2006، التي طمست مذابح صبرا وشاتيلا 1982؛ وقبلها الجريمة الهائلة من احتلالات العام 1967؛ التي جبّت بشكل عجيب جريمة الجرائم: اغتصاب فلسطين وتشريد أهلها في العام 1948، وما صاحبها من المذابح. ولا تذكّروني بما لم أسجله من الفظائع التي لا تعد، لأنني لم أنسها وإنما يضيق عنها أي مقال.
إذا كان بوسع أحد أن يرتكب ما يشاء من جرائم القتل والإبادة والتشريد، ثم تكون الورقة الوحيدة في سجل "التنفيذ القضائي الدولي" ضده هي مذكرة جلب بسبب مخالفة السير الأخيرة البسيطة، ثم لا يتم حتى إحضاره ليدفع قيمتها، فلماذا لا يسرف في القتل؟ وما دامت الضحية تتوقف عن الشكوى من فقدان الساقين والساعدين وبقر البطن، لتشكو فقط من الضربة الأخيرة في الفم، فيا لحظ الجلاد الصهيوني!
مختصر القول الذي ربما أضجرتكم بالكتابة عنه: إن إدارتنا للقضية ضد عدو مجرم هي أسخف إدارة عرفها التاريخ. فبدلاً من أن نحمل الملف الذي يزن أطناناً من القضايا المشروعة التي لدينا ضده إلى المحافل القانونية والهيئات الدولية والإعلام، وعلى رأسها وأولها جريمته في العام 1948، نذهب في كل مرة خفيفين، مثل المحامي الجديد الذي بدأ عمله صباح اليوم فقط، فخرج فرحاناً بالبذلة وربطة العنق، وورقة وحيدة يحملها في حقيبته، مروسة بعنوان قضيته الأولى والوحيدة.
لو أعلن "مكتبنا القانوني" -غير الموجود- عن رغبته تمثيل كل الذين لديهم دعاوى ضد دولة الكيان، لجاءته حرفياً عشرات الملايين من ملفات القضايا المشروعة والمشفوعة بالأدلة التي لا تدحض، من كل بيوت الفلسطينين، والعرب والآخرين، بدءاً من التي أورثنا إياها الأجداد والآباء اللاجئون مع أوراق "الطابو" ومفاتيح البيوت، وانتهاء بقضية آخر طفل قتلته الطائرات وهو عائد من مدرسته في غزة، مروراً بقضايا الحق العام الإنساني التي لا يشطبها إسقاط الحق الشخصي ضد المذابح والجرائم الوحشية التي ارتكبها الكيان بحق الإنسانية في كل مكان. وسيلزم لحفظ ملفات هذه الجرائم حيز أكبر كثيراً من كل مساحات "متاحف الهولوكست" التي يقيمها الصهاينة، لتكون مرافعتهم الدفاعية الوحيدة عن قتلنا نحن.
لقد برهنت قاعدة "المذبحة تجبّ ما قبلها" نجاعتها الكاملة في خدمة المؤسسة الاستيطانية بإدامة مشروعها بكل الارتياح. ونجحت بأن تجعلنا نذهب، دائماً، فرحين بالخفة والورقة الوحيدة في الحقيبة الجديدة، وكأنها قضيتنا الأولى والوحيدة. ويجب أن نكون قد تعلمنا الآن الكف عن التواطؤ على أنفسنا، وحمل ملف قضيتنا كله، وعلى رأسه جريمة 1948. وإلا، فسوف نذهب قريباً مرة أخرى بورقة وحيدة، ربما تكون مروسة بشيء مثل: قضية مذبحة غزة الثانية – 2011..!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة