كتبت العنوان ظُهراً، حتى لا أنسى موضوعي عن التوقعات القوية بنشوب حرب في المنطقة. ثم عدت للكتابة مساء بعد تناول مسكنات الصداع وغفوة قصيرة، فوجدت في نفسي مزاج كتابة مختلفا، وانتقلت من العام إلى الخاص، معتقداً أن العنوان يخصني على المستوى الشخصي. ولفتتني حقيقة أن أسهل شيء يمكن العثور عليه عند زملاء العمل هو مسكنات الصداع، فلا عناء في العثور عليها في معظم "الجوارير" والحقائب في المكان. فهل ينهب القلق هؤلاء جميعاً فلا ينامون جيداً مثلي، ويتحايلون بمنومات الصداع على نواتج الخوف والضغط المستمر على الاعصاب؟ وهل يصمد هذا "السِلم" الظاهري المصان بالمسكنات طويلاً قبل أن نشارك في المشاجرات والعنف الجسدي الذي يتمدد في مجتمعنا؟ قد تكون تلك تجليات أخرى للحرب التي نخوضها، بشكل أو بآخر، ولو أن مظهر المنكبين على حواسيبهم وأوراقهم يشي بحسّ من "السِلم"!
في العادة، توصف الحالة العامة للعلاقة بين العرب و"إسرائيل" بعبارة "اللاسلم.. واللاحرب". ويوحي هذا الوصف بالسكون، لكنها في الواقع حالة محملة فوق القلق والتوقع المضني بحرب ملعونة فعلياً على الجبهتين. والكل خاسر، لكن حرب حوالي 5 ملايين مستعمر من أجل إدامة احتلالهم للغير، يقابلها تدهور وخط انحداري يسم حياة 338,261,469 عربيا، حسب آخر الإحصاءات، ممن يخوضون حروباً يومية لشراء الخبز والأمل والحرية، ويشعرون بأنهم محتلون ومهددون. والتبرير الذي درسناه في المدرسة، ويبقى شيئاً منطقياً، هو: "زرعت القوى الغربية "إسرائيل" في قلب الوطن العربي بهدف تفتيته، وإعاقة تقدمه على مختلف الصعد".
لكن ثمة منطقاً آخر أعجبني في قراءة استمرار قلق "اللاسلم واللاحرب" العربي، على المستوى الشخصي والجمعي معاً. فقد كتب وولتر رودجرز في "كرستيان سينس مونيتور": "معظم المسؤولية عما حدث خطأ في العقد الماضي تقع على سوء الفهم والتصورات الخاطئة وتصلب العقلية العربية، وهي تقع على الشارع العربي بقدر ما تقع على إخفاقات السياسات الأميركية، وبالتساوي". ويمثل الكاتب على "هبل" العرب، فيصف صحافيين عرباً يستمعون بفرح إلى باراك أوباما وهو يهز رأسه أثناء استماعه للرئيس مبارك (لأن في أذنه ميكروفوناً يترجم له فورياً) اعتقاداً منهم بأن الرئيس يتحدث العربية! لم لا وقد كان أبوه مسلماً واسمه الأوسط حسين؟!
ويشير بيرنارد لويس إلى عشق العرب "لعبة اللوم". ويلفت إلى أنهم وجهوا اللوم، تاريخياً، إلى المغول، والأتراك العثمانيين، والقوى الاستعمارية واليهود والأميركيين، على كل شيء حدث خطأ في تاريخهم الذي كان مجيداً ذات مرة. ويقترح تقرير التنمية البشرية العربية الصادر عن الأمم المتحدة في العام 2009، أن الشعوب العربية تميل إلى وضع قدر مفرط من الثقة في "المؤسسات المتجذرة في الولاءات البدائية، خصوصا القرابة، والقبيلة، والدين". واعتبر التقرير التغلب على هذه الولاءات "شرطاً أساسياً لتعزيز الأمن البشري في البلدان العربية" (الاقتباسات من رودجرز).
دعوني أحاول أن أسلسل الأمور ثانية، ولو مشوشاً بالصداع النائم: بما أنني من جماعة "لعبة اللوم"، أقبل بأن مصيبتنا هي "إسرائيل". إنها السبب في توتير المنطقة؛ وتكبير حصص "الجهد الحربي" في الموازنات على حساب رفاه الشعوب؛ ودوام الأحكام والحكومات العرفية بدعوى صون الجبهات الداخلية من الاختراق... إلخ. ولكن، لماذا لم نقلع سكين إسرائيل من قلب العالم العربي؟ لأن الغرب يدعمها، والأنظمة لا تريد أن تغامر بمحاربتها (حفاظاً على حياة شعوبها؟). ولماذا لا نضغط على الغرب ليصطف معنا، ولماذا يقرر عنا الآخرون؟ لأننا نحب "السلم" الذي نعيشه، كما أنه ليس لنا حول نحن "الشارع" المسكين. والحل؟
في العنوان مفارقة لم أقصدها، وكأنها تقول: إن لم تكن هناك حرب فلن يكون هناك سلم! ربما لذلك تكثر "المناوشات" الآن بين مواطنينا في القرى والمدن والجامعات، مثل "المناوشات" بين "إسرائيل" والعرب لتفريغ الاحتقانات؟ وعموماً: تنذر الأخبار بانتهاء حالة اللاسلم واللاحرب بين العرب وإسرائيل. والأصل أن يكره الناس الحرب، لكن الاشتباك قد يصبح مطلباً عندما ينحشر الناس مثل القطة في الزاوية. وقد يكون الشفاء في الدواء المرّ والجراحة، وربما تكون "الحرب"، الشخصية والجمعية، وحبذا مع العدو الخارجي، هي العلاج الذي تبقّى لهذا الصداع الذي لا يريم!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة