أعجبني برنامج طريف تعرضه فضائية مصرية. وفيه، تطرح مذيعة جادة الملامح واللهجة أسئلة عجيبة حول موضوعات مختلقة، على عدد كبير من المارة في الشارع. والغريب أن كثيراً جداً من هؤلاء يجيبون بنفس الجدية، والكثير من الثقة، على الأسئلة الغريبة من موقع العارف.
وكانت مقدمة البرنامج تطرح على المواطنين في جزء من الحلقة أسئلة عن شخص يسمى: ابن كتكوتة الأموي. ولم أركز في البداية على الأسئلة، لكن الذين عرضتهم الحلقة بعد استئذانهم بإذاعة المقابلات، كانوا يعرفون كلهم "ابن كتكوتة" هذا، وعلاقته بشخص آخر اسمه "ابن رحّال". وكان السؤال الأخير الذي انتبهت إليه بالضبط كما يلي: "هل تعتقد أن ابن كتكوتة الأموي هو شخص منحوس، أم شغوف، أم كتكوت أم دبّوس؟"، وقد أجاب المعظم بثقة، وبشكل غريب، بأنه شخص "منحوس"، فيما قال عدد أقل بأنه "شغوف"، أو "كتكوت"، أو "دبوس"..!
لم أستطع سوى الضحك رغماً عني لدى رؤية وجوه الناس الجادة وهم يجيبون هكذا. وتصورت مبرراتهم للإجابة عن السؤال: إن أحداً منهم لا يريد أن يظهر بمظهر الجاهل، فيهرب من ذلك إلى تجسيد غاية الجهل. وكلهم يخجلون، وحتماً لا يقرون بالحكمة المعروفة: "من قال لا أعرف، فقد أفتى". وأسرّ لكم بأنني تعرضت شخصياً لسؤال محرج في سياق مختلف، حين سألني قريب مثقف ذات يوم عما إذا كنت قد قرأت كتاب "الثقافة والإمبريالية". ولم أكن قد سمعت بإدوارد سعيد نفسه في تلك الفترة، وقد خجلت جداً من ضرورة الاعتراف بأنني لا أعرف، لكنه كان لا بد من الاعتراف، ربما حتى لا يسألني الرجل عن تفصيل في الكتاب، فيفضحني. ولم أسترد كبريائي أمام قريبي إلا عندما أهديت له كتاباً ترجمته لسعيد. لكننا نقع كثيراً تحت إغواء الإجابة عن سؤال لسنا متيقنين من إجابته، ودائماً مع البدء بالقول: أعتقد، ولست متأكداً، بأن المسألة كذا وكذا.
في الواقع، لم أكن أتصور أن الإفتاء من غير علم يمكن أن يكون هوساً للمواطن العربي بهذا المقدار، إلا عندما شاهدت الحلقة المذكورة من برنامج "أرجوك.. ما تفتيش". وعلى الرغم من الضحك الذي استدعاه المشهد بداية، فإن الشعور سرعان ما انقلب إلى إشفاق متعاطف.
أولاً، لأن مواطنينا الذين أجابوا عن صفات "ابن كتكوتة الأموي" (ربما بسبب تداع غامض عن الرحالة ابن بطوطة)، هم نتاج ثقافة لا تقيم وزناً كبيراً للمعرفة، ولا تتيح للناس أدواتها ولا هي تعزز فيهم الرغبة فيها. وثانياً، لأن الإجابة بـ"لا أعرف" تعتبر عندنا نقيصة وامتهاناً للذات، بحيث يغامر المرء بالإجابة عن أي شيء بأي شيء حتى لا يبدو "جاهلاً".
وكأنه يُفترض في الواحد أن يكون عالماً بكل شيء حتى يحترمه الآخرون. لكن ذلك لا يلغي الحاجة إلى معرفة الأوليّات، ولا يعني القبول بأن يذكر طالب جامعي أردني "المتنبي" بوصفه "شاعراً أردنياً معاصراً". ويعني هذا قصوراً مؤسسياً في بناء مجتمع معرفة، تكون المعرفة فيه شغفاً، ليس على طريقة ابن كتكوتة.
أما نوع الإفتاء الأسوأ، فهو فتاوى "النخبة" أو "المختصين" و"الخبراء". وقد يسمع الواحد أو يقرأ رأياً لأستاذ اجتماع، مثلاً، في ظاهرة اجتماعية محلية بعد سؤاله عنها، فلا يجد في الجواب خبرة ولا اختصاصاً ولا جديداً، وإنما كلام "عجائز"، من النوع الذي قد تقوله أمهاتنا بالفطرة، ولكن بلغة أكثر تقعُّراً. والحقيقة أن مناطق العلوم جميعاً أصبحت واسعة جداً بحيث لا تمكن الإحاطة بتفصيلاتها. ويُمكن كثيراً أن يُسأل المرء عن شيء لم يصادفه في مجال اختصاصه، لكنه يخجل من استمهال السائل حتى يستشير مراجعه، فيسارع إلى الإفتاء محتمياً بسلطة الأكاديمي أو الخبير، ويأتي بشيء لا يختلف كثيراً من حيث الجوهر عن وصف ابن كتكوتة الأموي بأنه منحوس! وفي الغرب، خرّب "الخبراء" عن الإسلام بيتنا وهم يفتون عنه.
لا مصادرة بالطبع لحق الناس في إبداء الرأي في المسائل الجدلية، لكنني أستغرب الإفتاء في الحقائق الثابتة بغير حقيقتها، بادعاء المعرفة. والأصل أن نصلح القصور المؤسسي في إقامة مجتمع معرفة؛ وأن لا نخجل قبل ذلك من الإفتاء: "لا أعرف"!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة