قد نؤجل الحزن. نعم، تلك وسيلةٌ لمراوغة الفقدان حتى لا يضنينا. وهو ما نحاوله حين نسلك طريقاً أبعد وأكثر التواءً كي لا نقف على "دار عبلة"، فنهرب من الجَواء؛ وحين نبتلع دمعنا المالح ونغصّ به كي لا يفضحنا أمام الآخرين؛ وحين تقع اليد صدفة على صورة غائب في حقيبة منسية، فنعيدها سريعاً إلى مكانها قبل أن يداهمنا الحنين.
ونؤجل الحزن لنجترح لوجودنا غاية، عندما يتسيّدنا هاجس العبث وتنسرب منّا الجدوى. وحتى نجد القوة للمضيّ يوماً آخر، ربما يقول شيء غامض فينا: لَم أحزن على يتمي بعد. ينبغي أن أنتهي من عمل أشيائي، وأتخفف من أحمالي، ثم أتفرغ لحزني المؤجل. سوف أستخرج صور أحبابي الذين انسلوا في مجازات غامضة على جوانب الطريق؛ سوف أجلس وحدي وأستغرق في البكاء العالي، وأغسل عني السواد بفيض الدموع؛ سوف أفتح صندوق خساراتي الفوضوي، وأستخرجها وأرتبها أمامي، وأناجزها في أيامي الأخيرات، لنرى صنيعةَ مَنْ هيَ: أنا أم هِيَ.
وقد أجلتُ بعض الحزن أمس أيضاً، ولو أنني لم أكن مشغولاً كثيراً: لم يكن عليّ أن أفكر فيما يمكن أن أشتريه لأمي، ولا بكيف أغوي أبنائي المنشغلين باهتماماتهم بمرافقتي لمعايدة الجدّة حتى يكون حضوري أمامها أكثر كثافة. ولم يكن عليّ أن أرتب وقتي لأخصص لها المساء، وأجعل الأمر يبدو وكأنني نسيت المناسبة، ثم أصل متأخراً بهداياي فتكون زيارتي أكثر بهاءً. كان لي كل الوقت لأفكر فقط بأمي:
فكرتُ أولاً بأنني أريد أن أنتهي من هذا الشأن المؤجل. فكرت بأن أستخرج صورتها المخبوءة في صدر سترة داخلي، والتي أعيدها دائماً قبل أن تلمحني عيناها الطيّبتان كلما فاجأتني وأنا أبحث عن شيء. وفكرت أيضاً بأن أذهب وحدي لأعثر على قبرها الذي ضاع في الساحة الفقيرة الغبراء التي لا بدّ اتسعت كثيراً بعد كل هذه السنين. ولا بأس بأن أتوه، فأجلس عند أقدام الجدَث الذي يقودني إليه حدسي، وأتلو سورة الفاتحة، ثم أقول لأمي كم كبر الأولاد، وأنني أصبحتُ أكتب في جريدة، وأعتذر لها عن نزقي الصبويّ كلما وجدتها غسلت مرة أخرى قمصاني التي كنت تعبت في كيّها، ومن دون أن أرتديها.
كنتُ أريدُ أن أسألها لمَ استخرجت صورتي في مسائها الأخير قبل أن تأوي إلى النوم، وتمنت أمام الحاضرين جناحين تطير بهما وتلقي السلام عليّ وتعود من دون أن توقظني، وتركتني أسائل نفسي كل هذه السنين: لماذا أجّلتُ زيارتي إلى الجمعة التالية التي لم تأتِ؟! وكنتُ أريدُ أن أختبر قلبي، وأنا الذي خجلتُ كثيراً لأنني لم أبك كثيراً أمام المشفقين المنتظرين انهيار الصغير الأثير حين يودع أمه مرة أخيرة. ولم أستخرج صورة أمي أمس، ولا ذهبت وحدي لأحدثها في المقبرة، وانتهى يومي عادياً تقريباً، بنفس القلق الليلي قبل النوم.
واليوم صباحاً، كتبت عنواناً لموضوعي الذي سأنشره اليوم، عن شيء غير خصوصي. لكنني بدأت أكتب شيئاً خصوصياً. وترددت أولاً في الكتابة علناً عن اليُتم في أعالي الأربعين، ثم تعزّيتُ بأن اليُتم حقيقة حزينة لا علاقة لها بالزمن، تماماً مثل الموت الذي نصادفه ونزعم أننا لا نعرفه طالما اختار سوانا. وتصورت أنني أكتبُ نيابة عن الكثيرين غيري ممن أجلوا زيارتهم إلى الجمعة التالية التي لم تأتِ؛ وعن آخرين مثلي ممن لم يجدوا الوقت ليحزنوا على أمهاتم بعد، والذين أزالوا بسرعة مثلي من بريدهم إعلانات هدايا الأمهات، وتشاغلوا بأيّ بشيء، علهم يراوغون الحزن عاماً آخر.
أكتبُ عن الحزن المؤجل على يُتمي وأمي لأغسل شيئاً من الحزن، فأضيف حزناً آخر. وسوف أؤجله أيضاً، لأنه ينبغي لي أولاً أن أنجز أشيائي، وأتخفف من أعبائي، ثم أتفرغ للأحزان المؤجلة: سوف أمسح الغبش عن وجوه الغائبين التي تعودني ليلياً فأضيّق عينيّ لأخدع الذكرى؛ سوف يكون لي وقت لأقف على الطلَل وأسمع حديث الجوى؛ وسوف أفتح صندوقي خساراتي وأرتبها أمامي، وأعاتبها. وسوف أستخرج صورة أمي وأجرؤ على النظر في عينيها وحدي، وسأبكي دون أن يراني أحد قدر ما يقتضي الأمر، لعلي أنتهي أخيراً من هذا الحزن المؤجل، مرة وللأبد.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة