التيئيس ليس فكرة محببة. لكن إغفال الوقائع الواضحة ليس حصافة أيضاً. لكن مما يدمي الضمير الإنساني، كما نتخيله، فكرة التصالح مع ممارسة النفاق، والقبول باعتباره عنصراً طبيعياً في منظومة السلوك البشري بكل مستوياته. وقد فرض طغيان هذه الصفة وبدهيتها أن الاحتفاظ بشيء من النظافة والنقاء الداخلي لم يعد متاحاً تقريباً سوى في مكان مثل جزيرة "روبنسن كروزو" حيث يعيش المرء وحيداً مع الطبيعة والحيوانات الأكثر صدقاً من البشر بما لا يقاس. وبشكل ما، أصبح النفاق هو المؤهل الأساسي الأبرز لنجاح الأفراد والأمم، وتحت العنوان الذي يبرر ازدواجية الخطاب والسلوك، باعتبارها "ميكافيلية" مشروعة، أو براغماتية محمودة: "سياسة".
وبعيداً عن القصص الشخصية الكثيرة التي يستطيع كل منّا أن يحكي منها مجلدات، ثمة النفاق الأخطر، الكوني والوقح، الذي تذهب ضحيته شعوب وتسيل بسببه دماء. وإذا شاء أحد أن يرى النفاق مجسداً في هيئته الكونية، فليذهب بالذات إلى مقر "الحكومة العالمية": الأمم المتحدة. وهناك، سيصطدم في الأروقة والقاعات بمحترفي صناعة النفاق وعرضه، بلا خجل، أمام كاميرات الإعلام وميكروفوناته، ناطقين باسم نفس الأمم التي تزعم امتلاك القيم الإنسانية المطلقة: الخير، الحق، الجمال.
لا حدّ لأمثلة النفاق الكوني في الأمم المتحدة، وآخرها إقرار التدخل العسكري الأممي في ليبيا "لدواع إنسانية". وهناك أيضاً، يؤجلون حسم الصراع لمصلحة الناس بطريقة تفوح برائحة الخديعة. وقد رأينا سابقاً كيف كانت قوات "التحالف" تُسقط الأنظمة وجيوشها القوية في ساعات إذا كان ذلك يخدم أجنداتها: في العراق، وأفغانستان، وصربيا وبنَما. والآن، يلعبون بأعصاب "الناس" في ليبيا فيما يبدو، حتى إجبارهم على أكبر قدر من الخضوع والتسليم والتماس الرحمة، وبحيث تختزل إلى أدنى حدٍّ مساحة الحرية التي سيقبلون بها تحت الضغط، لصالح توسيع مساحة الإمبريالية بأطماعها التي لم تتغير. ولنتذكر أي "حرية" أهدوها للعراقيين والأفغانيين على متن الدبابات الغربية، وكم أصبح هؤلاء الآن أقل حرية وأكثر خيبة.
أما ألعن النفاق الأممي وأكثره صلفاً في التاريخ المعاصر، فهو المتعلق بقضية الأحد عشر مليون فلسطيني، من الذين لا يبدون معدودين في فئة البشر بقرار أممي. وفي هذه الأيام بالذات، وفي غمرة الحديث عن الحقوق الإنسانية الأساسية وأولها الحق في الحرية والحياة، يجري ارتكاب المزيد من القتل في رقاب الفلسطينيين، والمزيد من سرقة أراضيهم وشطب مستقبلهم، ولا أحد يحرك ساكناً، اللهم إلا لإدانة "صواريخ" المقاومة الفلسطينية باعتبارها الانتهاك الأخطر لحقوق الإنسان. وللمرة المليون، يساوون بين الجلاد والضحية؛ بين الكيان العدواني وبين الشعب المذبوح والمشرد بالاحتلال، باعتبارهما طرفين متعادلين. وعلى الرغم من عديد القرارات الدولية بعدم مشروعية الاحتلال ولا إنسانيته، لم تتخذ أي إجراءات لحمله على تنفيذ أي قرار، أو الكف عن اغتيالاته اليومية لمفهوم الإنسانية نفسه.
لا أحد من دول الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان قاطع دولة الكيان، أو منع عنها الأسلحة؛ ولا أحد وضع أسماء قادتها الإرهابيين على قوائم المطلوبين للمحاكم الدولية. وبطبيعة الحال، لا أحد تحدث عن قوات تحالف دولي لضمان سلامة المدنيين المطالبين بالحرية في غزة والضفة لدواع إنسانية، على الرغم من كل الحديث عن الحق الإنساني المقدس في مقاومة الاحتلال بكافة الوسائل. ولاحظوا الانتقائية في تسمية استخدام الليبيين السلاح ضد نظامهم المستبد "ثورة"، في حين يسمى استخدام الفلسطينيين السلاح ضد احتلال أجنبي غاشم بكل المقاييس، "إرهاباً" و"تهديداً" لحياة المدنيين في دولة مجاورة و"ديمقراطية".
وحتى لا نذهب بعيداً، فلنتساءل أولاً عمّا فعلته جامعتنا العربية المجيدة في أي يوم لصالحنا نحن الناس في أي مكان، ناهيكم عن الفلسطينيين، وكم شكلت بدورها شخصية فاقدة للصدقية، وناطقة بلسان أي أحد وكل شيء سوى الضمير العربي والإنساني وتطلعات العرب. وأقرب من ذلك، شاهدوا الآن النفاق السافر والازدواجية المفضوحة في خطاب الأنظمة القطرية الحاكمة على امتداد الرقعة العربية. فمرة واحدة، أصبح "الإصلاح" موضوعاً على أجنداتها من زمان، لكنها لم تجد الوقت ولا الفرصة لتنفيذه.
لا أخفي تشاؤمي الشخصي، لكننا ربما نستعيد شيئاً من الشرف لإنسانيتنا المهدورة، إذا واصلنا الهتاف في وجه المنافقين بيننا وأمامنا، وما أكثر هؤلاء: "إرحل.. يعني إمشِ".

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة