كثيرون تغيرت مصائرهم في الخامس من حزيران (يونيو) 1967. كان ذلك اليوم نكسة بعد النكبة: للفلسطينيين، لأنهم كانوا قد رتبوا عالمهم على فوضاه بطريقة ما، واستنبتوا قدراً من الأمل، ليعود ترتيبهم المؤقت فيتهدَّم تماماً، مثل مرآة انكسرت، وجُمعت ببالغ الجهد، فقط لتتساقط نُتفاً هذه المرة. وكان ذلك نكسة لكل العرب، لأن هزيمة جيوشهم جميعاً أراقت ما تبقى من الأمل بالنهوض والوحدة واستعادة الكرامة دفعة واحدة، لتطبق الهزيمة.
أنْ يهزمك دخيل ضئيلُ الحجم ويُشبعك ضرباً في بيتك، وأنت الهائل، الكبير العشيرة والفخور بالتاريخ، ثم تنهضُ، فيُسقطك ثانية ويحطم أنفك، فذلك يتلف روحُك ويُقعِدُك. وأن تستنهض عزيمتك وتستجمع بأسك بعد ذلك، فيشدّوك ويقيدوا يديك ويكررون على سمعك: "لا قِبَلَ لك بِه!" فكيف لا تُصاب بالخَدَر وتفقد الوجهة؟! بالدعاية، و"عقلانية" ولاة الأمر، والتخويف من هنا ومن هناك، أصبحت هذه الأمة العريقة، من المحيط إلى الخليج، نموراً كاملة الترويض في اليوم السادس، محتجزة في سياج القهر، يعيّرها كائن صغير طليق مستأسد بعجزها صباح مساء. وبشكل ما، أصبحت القاعدة أن الجزيرة الصغيرة جداً هي التي تحاصر المحيط الكبير..!
وكقاعدة أيضاً، لم تشجع ذكرى 5 حزيران على الكلام -إلا بقدر تنشيط الذاكرة وتفقُّد مؤشرها الحيويّ. وأحياناً، كنا نستخرج الأغنية الفيروزية المناسبة من الأرشيف: "أحترفُ الحُزنَ والانتظارْ.. أَنتَظِرُ الآتي ولا يأتي". لكن حزيران هذا العام يحول العبارة التقريرية إلى سؤال مفتوح على احتمالين: "حزيرانٌ آخرُ؟" أي: مجرد حزيران آخر يطيل عاماً آخر قصة الانتظار؟ أم أنه "حزيران الآخر" المختلفُ، المنتظَر؟
إذا قُلتَ: هو حزيران المختلف، يحذرونك من مغبّة الأمل. يقولون: انتظر لترَ! وإذا قلت: هو حزيرانٌ آخر فحسب، فثمة من يعاتبك لأنك تعكر صفو الربيع، وتخاف من المتربصين بالفجر على الطريق أكثر من اللزوم! لكنّ في هذا الحزيران صوتين يتجادلان على الأقل، وانعطافة في خط يأس اللاجئين والنازحين المنحدر طوال 44 عاماً، ولو أن الحصيلة هذه اللحظة، بغض النظر عن السياقات، هي استمرار آثار النكبة والنكسة معاً: بقاء المشرد مشرداً، والمحتل محتلاً.
لكنّ بالوسع التقاط شيء مع ذلك: أولاً: في عزّ ربيع العرب، يقول نتنياهو الكيان أنه لن يعود إلى خطوط ما قبل النكسة 67، لأن ذلك يجعل الدفاع عن حدود النكبة 48 غير ممكن، ويقول إن ما حدث في 15 أيار (مايو) 2011 يعني أن المسألة مسألة وجود؛ وثانياً: هناك حسن حجازي، الفلسطيني الشاب المولود في المنفى، الذي تمكن من اختراق الحدود -التي يمكن الدفاع عنها حسب نتنياهو- والوصول إلى يافا أبيه في حافلة مليئة بجنود الاحتلال.
قال صديق، إنَّ العائد حجازي ومواطنيه تمكنوا من اختراق حدود الاحتلال هذا العام فقط لسببين: تغاضي جيش نظام عربي مأزوم عن حماية حدود الكيان لتنفيس أزمته الداخلية؛ وعدم رغبة جيش الكيان في ارتكاب مذبحة. وفي هذه الأطروحة أيضاً شيء من الجدل: إذا كان بوسع الجماهير العربية أن تجبر الأنظمة التي تحمي الكيان على تنفيس أزمتها باتجاه هذا الخارج بالذات، فلا بأس. وإذا كان جيش الاحتلال يتردد أخيراً في ارتكاب مذبحة وهو محترف المذابح، فلا بأس أيضاً. وفي نهاية المطاف، لا ينبغي أن تخطئ العين ذلك التماهي بين كل المؤسسات التي تستمد وجودها من قهر الشعوب، سواء كانت في شكل احتلال خارجي، أو أنظمة استبداد محلية. وإذا كان بعضها في خطر، فإن الآخر يعاني حتماً.
إذا كان نتنياهو يقرّ بأن وجود احتلاله مشروط بإلغاء وجود الآخر/ الفلسطيني، فإنه خائف جداً من الوجود الفلسطيني العالي الذي يعلن حضوره بدعم التاريخ والامتداد العربي. ويبدو صوت نتنياهو المهدِّد الآن، أكثر من أي وقت مضى، أشبه باستغاثة المتوحد الخائف بصوته العالي حتى يتحسس وجوده ويستجمع بقاياه. وفي المقابل، قال العائد الفلسطيني الواثق، حسين حجازي: "لم أكن خائفاً، ولست خائفاً. في الحافلة إلى يافا، جلست بجوار جنود إسرائيليين، وأدركت كم هم خائفون أكثر مني".
كثافة الوجود لا بدّ أن تغيّر تقسيمة الخوف. ويبدو أنها تُزهرُ زنابقُ الوقتِ، ويأتي الذي انتظرناه ولم يكن يأتي.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة