جاء حديث الطبّ وشجونه على هامش شكوى من مرض عارض. وهو حديث كثير الحضور بين من جاوزوا أواسط العمر، حيث "كلٌّ يغني على ليلاه"، وليس طرباً. وذهب الحديث إلى الضحايا الذين يذهبون من دون أن يعرف سبب مصارعهم أحد، بخطأ طبي. وكل ابن آدم خطّاء، لكن الخطأ في هدر الأرواح فادح العواقب. وعلى عكس أي قتل آخر، ولو كان غير مقصود أيضاً، يفلت الأطباء غالباً من المُحاسبة، إما لغفلة أهل المتوفى عن حقيقة ما جرى، أو بتواطؤ فريق غرفة العمليات، أو الفريق الذي يتابع القضية –إذا أثيرت- من الزملاء المكلفين بالتحقيق، والذين يجاملون الزميل أحياناً على طريقة: قدّم السبت، تجد الأحَد..!
والقصص التي نسمعها ونشاهدها في هذا الشأن كثيرة: بعضها نكون طرفاً فيها وبعضها الآخر نسمعها ونتأسى. بعضها أضرارها مادية، وأخرى تذهب بالضحايا إلى حتفهم، لا أقل. ومن النوع الأول، قصة شهدتها وكنت طرفاً فيها. فقد صحبتُ قريباً جاوز الشباب إلى محل بصريات لتغيير عدسات نظارته. وهناك، تطوع أحد العاملين بالنصيحة، وقال لقريبي إن بوسعه الاستغناء عن النظارة تماماً بإجراء عملية بسيطة، وعرض الاتصال بطبيب عيون يعرفه وفعل. وتحدد الموعد وذهبت معه. وبعد الفحص، قال الطبيب إنه سيعيد قوة البصر في عين الرجل إلى "ستة على ستة" بلمح البصر وبمبلغ 700 دينار. وقد سمعت، وشككت، ونصحتُ بمراجعة طبيب آخر واثنين قبل اتخاذ القرار، لكن قريبي الذي ضاق ذرعاً بضعف بصره تحمس وأجرى العملية. وعندما انتهت الأيام السبعة المحددة لعودة "الستة على ستة"، راجعت معه الطبيب الذي تذرع بأسباب لم أفهمها لفشل العملية، ولم يقبل بإعادة جزء من كلفة العملية الفاشلة.
تصوّرت بعد ذلك أن بالوسع متابعة القضية بشكل ما، فاستشرنا طبيباً آخر قال إن زميله لم يجر فحصاً كان ضرورياً وحاسماً للشبكية، ففسدت العملية. وحملنا تقريره إلى نقابة الأطباء، التي حكمت بعدم مسؤولية الطبيب المشهور الأول. وهكذا، دفع قريبي كلفة الألم والمال بلا طائل. وأتساءل: إذا ذهبت بقطعة ملابس عليها بقعة كبيرة إلى محل لغسل الثياب، وطلب الفنيّ منك عشرة دنانير مثلاً مقابل إزالة البقعة، ثم أعاد إليك قطعتك ببقعتها نفسها وأسوأ: هل يجوز، أخلاقياً وعملياً، أن يتقاضى منك الأجرة أم أنه ينبغي أن يتنازل عنها؟
ولا بأس بالخسارة المادية، وبأن تبقى العين الكليلة كليلة. لكن صديقاً لي يعمل في أحد المشافي، حدثني عن شاب أجروا له جراحة لتعديل "انحراف في الوتيرة"، لكنه توفيّ تحت العملية بسبب جرعة التخدير. أي إنّه جاء إلى المشفى ماشياً على قدميه مستبشراً، آملاً بأن يخرج آخر النهار أكثر وسامة وقد زال الميل الخفيف في أنفه، فقط ليخرج محمولاً على ظهره إلى مثواه الأخير بلا فرح.
إذا صدم المرء بسيارته ماشياً غير منتبه، فإن الدنيا تقوم عليه ولا تقعد. ويجري احتجازه مباشرة عقاباً له على عدم انتباهه هو، حتى لو كان الضرر الذي لحق بالمصدوم خفيفاً. لكنّ قتل مواطن بخطأ طبي، ولو أنه غير مقصود، يمرّ كثيراً بلا عقاب أو بلا انتباه؛ ناهيكم عن العمليات المفتعلة التي يقترحها بعض الأطباء بلا داع من أجل الكسب، والتي قد تتسبب بإلحاق ضرر بمريض أو بقتله من دون حاجة، وبلا رقابة. ولا أقصد اتهام الأطباء كلهم بخدر الضمير، فلا استقامة للحياة من دون هؤلاء الإخوة الذين يحترفون تخفيف ألمنا وجعل حياتنا أكثر صحة. وإنما أتصور أن هناك "انحراف وتيرة" في جدية التعامل مع الأخطاء الطبية الناجمة عن الإهمال، أو عدم إجراء الفحوص اللازمة، أو إجراء عمليات خطيرة بلا داع، أو تقاضي أجور عالية على خدمة لم تصل.
أما الحصيلة، فالتخوّف من مراجعة الأطباء في الشؤون التي أصبحنا نميل إلى تصنيفها على أنها عارضة، حتى نتجنب الاحتمالات غير المريحة التي قد يجلبها طبيب. هذا بالإضافة إلى إساءة البعض لسمعة مهنة الطب وإنسانيتها، وكذلك الإضرار بسمعة بلدنا كوجهة للسياحة العلاجية. ولذلك، نرجو تصحيح الوتيرة، وبلا خطأ في جرعة التخدير.. لُطفاً!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة