ينبغي أن تكون وفاة صحيفة حدثاً فاجعاً لعائلة الصحافة. لكنّها عائلة بلا قَلب، يثير مصرع فرد من عشيرتها مشاعر الشماتة فحسب، بل الارتياح لخروج منافس من الطريق. ومع ذلك، لا تُلغي هذه العاطفة السلبية توجيه انتباه نَفْعي لنتائج التشريح الإكلينيكي، خاصة عندما تكون الوفاة مفاجئة ومدوية. وثمة الكثير الممكن تعلُّمه بهذا الخصوص من حَدَث وفاة أكثر الصحف توزيعاً في العالم الناطق بالإنجليزية: "ذا نيوز أوف ذا وورلد" البريطانية. وللصحيفة المتوفاة قرابة بالصحافة في كل مكان، وهنا أيضاً.
إغلاق صحيفة "التابلويد" الفضائحية الأسبوعية، يعيدنا ثانية إلى أحجية روبيك للمتغيّرات الصحافية: التوزيع؛ الإعلان؛ الحقيقة؛ السّبوقات؛ الأخلاقيات، الرَّيع؛ النفوذ –من بين عناصر أخرى. وكحالة دراسة، حققت الأسبوعية التي ناهز عمرها 168 عاماً معدل مبيعات بلغ في المتوسط 2.812.005 نسخ، ومعدل قرّاء وصل إلى حوالي 7.5 مليون قارئ. وعلى المستوى العملي، تغري هذه الأرقام أيّ معلن بالذهاب إلى هناك بالذات، وفي ركابه الريع. وماذا تريد أي صحيفة أكثر من التوزيع العالي، فالإعلان الكثيف، فالأرباح الكبيرة؟
إذا وظفت صناعة الصحف المبدأ الميكافيللي المعروف "الغاية تبرر الوسيلة" بالمعنى الماديّ الصرف، فقد استخدمت الصحيفة المتوفاة الوصفة المثالية: ركِّز على العناوين التي تخاطب الطبائع البشَرية الدُّنيا: الفضول؛ الغريزة، الإثارة -وستحصل على قراء، فمُعلنين، بالقدر الذي يرضيك. وهي وصفة التجارات المربحة السهلة: الجنس والابتزاز. أما إذا كانت غايتك مشروطة بمخاطبة الطبائع الإنسانية العليا: حبّ المعرفة؛ التنوّر، الذائقة والحسّ السليمَين –فسيعني هذا الاختيار النخبويَ التضحية بقسم من الرّيع الماديّ لصالح قيَم المهنة.
يحضر سؤال "الحقيقة" بقوة أيضاً في هذه الحكاية: هل يكون فضح أسرار الشخصيات العامة خدمة للحقيقة -الغاية التي تضعها كل صحيفة في شعارها الأساسي؟ سؤال كثير الإجابات: البعض يرى أن كشف هذه الأسرار يكون واجباً أخلاقياً بقدر صلتها بالآخرين: أسرار صفقات الفساد وسرقة المال العام التي تفقر الناس، مثلاً. لكنّ هناك اتجاهاً يتبنى فلسفة قوامها أنّ الإنسان موقف، وكلٌّ غير قابل للتجزيء. فإذا كان الشخص المهمّ فاسد الأخلاق على المستوى الشخصي، سيئ السلوك بالمعايير الاجتماعية السائدة، فإنه يكون شخصية غير سويّة، مشكوكاً في صدقيتها ولا يعوّل عليها في المناصب العامة. وربّما تعمل هذه المعايير نفسها، حتى عند استخدام مؤسسة موظفاً صغيراً.
لكنّ الصحافة الفضائحية تظلّ متمايزة بذاتها، ومختلفة عن "الصحافة المعارضة" بالمعنى السياسي، المعنيّة بكشف الفساد العام من نوع استخدام الشخصيات المستهدفة نفوذها للإضرار بالمصالح الوطنية العليا، -وتعريف هذه المصالح نسبيّ أيضاً. و"النجاح" في الصحافة الفضائحية يتطلب عملاً تجسُّسيَّاً فعليّاً –يُسمّى استقصائياً، لا يُعنى بمشروعية الوسائل المستخدمة لتوريط الهدف، فيجري التنصُّت على مكالماته وسجلاته البنكية وأوراقه الطبية وعلاقاته الخاصة، بحيث يمكن استخدام المادة في تحديد أقداره.
أما الجزء "السّياسي" الخطير جداً في عمل الصحافة الفضائحية، فهو استخدام "الأدلة" من النوع المذكور لحرق الشخصيات السياسية عند الحاجة، أو ابتزازها لتنفيذ أجندات تعني صاحب الصحيفة المكشوف أو المُختفي. وقد رشح من أخبار الصحيفة المتوفّاة، دعم مالكها الأميركي روبرت مردوخ لرئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، الذي ردّ الجميل بتخفيف القيود على ملكية الأجانب لوسائل الإعلام البريطانية؛ إضافة إلى الحديث المُلفت عن اتصال مردوخ ثلاث مرات ببلير في عشرة الأيام التي سبقت شنّ الحرب على العراق.
بطبيعة الحال، استغلّ البعض سقوط الصحيفة الفضائحية البريطانية للمطالبة بتشديد القيود على الحريات الصحافية بالإجمال، وهو اتجاه خطير على الصحافة في كل مكان. لكنّ الأكثر اعتدالاً طالبوا بإعادة تعريف ما يُعرف ويمكن أن يقال أو لا يقال، وكذلك ضبط وسائل استخلاص الخبر بحيث لا تكون غير أخلاقية أو تُستخدم لأغراض الابتزاز، أو بيع المعلومات أو تقاضي أجرة عن نشرها من متنافسين. ويكشف حجم تورط جهات شُرطية وقانونية في التستّر على الصحيفة البريطانية، مدى النفوذ الذي يمكن أن تصل إليه صحيفة، وإمكانية إساءة أو إحسان استخدام المعلومة الصحافية.
هذه مجرد أفكار أولية، أتمنّى أن تثير نقاشاً مماثلاً ومستحقّاً حول صحافتنا المأزومة حالياً. ولا ينبغي أن يمرّ هذا الحَدث الصحافي من غير أن نتعلم منه.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة