أيام الدراسة الثانوية في أواخر السبعينيات، "أضرَب" صفُّنا عن الدراسة، وخرجنا إلى السّاحة احتجاجاً على انبعاث رائحة كريهة في غرفة الصف. وبعد حديث المدير الأوليّ المُسترضي، هدَّدنا باستدعاء قوات الأمن لفضّ "العصيان".. هل كُنّا نمارس السياسة؟
وفي الجامعة، في الثمانينيات، أخذتنا الغيرة على ليبيا التي قصفت (لأسباب مختلفة) في ذلك الوقت، وخرجنا في مسيرة صغيرة للتعبير عن التضامن. وفي اليوم التالي، وجد بعضنا أسماءَهم، "مطلوبين" على لوحة الإعلانات لمراجعة عمداء الكليّات. وأسجّل لعميد الآداب في ذلك الوقت موقفه المتقدم. فقد استقبلنا بترحاب، وأَذهَبَ رَوعنا وهو يُسِرُّ لنا بأنه مُعجب بما فعلناه، ويؤمن بأن الطالب الجامعي الذي لا يفهم السياسة ولا يمارسها، ولا يتفاعل مع محيطه الاجتماعي، لا يستحقّ أن يكون في الجامعة.
بعد عقود من الحادثتين، نراقب عناوين الأخبار، ونندهش، ونضحك. في الأوّل، نفهم أن هناك توجهاً رسمياً نحو المزيد من الانفتاح السياسي والحياة السياسية والحزبية ومشاركة المواطن. ثمّ نسمع تصريحات رسميّة تقول بأن "السياسيين" يغرّرون بالمواطنين (الذين لا يفهمون في السياسة وليست شُغلهم)، وإنما يطالبون فقط بتحسين أحوالهم المعيشية (مطلب غير سياسي)! ونفهم، كما قال شخص في صالون الحلاقة، أن هناك "500 أزعر، نزلوا إلى الشوارع وهم يعتقدون بأنهم ديمقراطيون، لكنهم يمارسون ممارسة غير ديمقراطية لأنهم لا يحترمون رغبة الأغلبية التي لم تخرُج للمطالبة بالديمقراطية، ولذلك يجب تحليق رؤوسهم وضربهم ضرب غرائب الإبل. (علمت بعد مغادرته ماذا يعمل، فحمدتُ الله على أنني لم أعلّق).
ثم يجب أن تختار: إما أن تكون صحافياً أو تمارس السياسة؛ أن تكون معلماً أو أن تمارس السياسة. أما الجمع بين عملك والسياسة فيُخرّب البلد، لأنها شأن لا يخصّ المواطنين وإنما الساسة. لكنّنا نريد أن يشارك المواطنون في العملية السياسية: أن يمارسوا حقهم في الاحتجاج السلمي والعمل الحزبي. ثم نضرب الصحافيين لأنهم لم يميّزوا أنفسهم عن الجمهور الذي يمارس السياسة (يشتغل بما هو ليس شُغله)، فاستحقوا الضَّرب معه لأنه هو المقصود بالضَّرب. ثم، ما بقي والله إلا أن يطالبَ المعلمّون بتحسين أوضاعهم وبإصلاح التعليم فيحتجوا، فيتدخلوا في السياسة ويعلموا الأولاد السياسة، فيصبح الأولاد سياسيين!..
السياسة في التعريفات الرصينة، تعني فن أو علم الحكم وإدارة شؤون الدول. لكن التعريف يستطرد أيضاً، فيشمل "التوجهات والمواقف السياسية"، أو "إدارة العلاقات المتداخلة غالباً بين الناس في المجتمع". وقد أجمع العالِمون على أنّه ليس هناك شأن واحد "غير سياسي" في آخر المطاف (اسألوا ماكس فيبر)! ويعني ما نسمعه اليوم أن السياسة حكر على المشتغلين في جهاز الحُكم. أما أن تكون لك مواقف أو توجهات سياسية، أو أن تتدخل في تحديد شؤون وجودك الاجتماعي، فشأن لا يخصك: يعني "زعرنة" تستوجب حلاقة رأسك. ويجب عليك أن تخرج من بيتك صباحاً، بغير موقفك السياسي، إلى المدرسة، أو المؤسسة الصحافية، أو الجامعة، أو الشارع. أما المُطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، فليست سياسة. في حين أن المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن سوء أوضاعك المعيشية، أو كشف الفاسدين الذين يخربون أوضاعك المعيشية، فسياسة. والمصادرة على حرياتك الأساسية، وظلمك بالمحسوبية وبالتقسيم المجحف للامتيازات والدخول، لا يعني أن أحوالك المعيشية سيئة: فلا تخلط بين أسعار الخضار والحرية، فتتحول من مواطن صالح إلى "قوى خارجية"، وتندم ندامة الكسعي.. عذراً: لا أفهم!
كيف ينبغي أن يشارك المواطن في الإصلاح، ولا يُعنى بالسّياسة؟ وكيف يوصل مطالبه وهو غير مؤطر في جماعة مسموح لها بالتعبير "السياسي"، ولا هو كاتبٌ في صحيفة؟ وكيف يُقبل على السياسة، وهي التي يجري اعتبارها، عملياً، "زعرنة" غير ديمقراطية، وخروجاً على رأي "الأغلبية القانعة" التي لا تعتبر طرائقها في التطبيل والتعبير عن نفسها سياسة؟
ما تزال المطالبة بالبحث عن مصدر انبعاث رائحة غريبة "عصياناً" و"سياسة"، يستوجبان استدعاء من يقوّمونك بالعصا التي لمن عصى. ومنذ السبعينيات إلى الآن: "كأننا يا بدر، لا رُحنا ولا جينا"..
في الحقيقة، ما لم تترك هذه الخربشات المُحيّرة مكانها لكتابة واضحة، فلا يأملنَّ أحَدٌ في إصلاح.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة