للوهلة الأولى، تبدو الفكرتان متعارضتين. فالتردد نقيض السُّرعة بأحد المعاني. وفي المعجم الوسيط: "(تردَّد): تراجَع. و– رجَع مرَّة بعد أخرى. ويُقال: تردَّد فيه: اشتبه فيه فلَم يثبته. وتردَّد في الكلام، تعثَّر لسانُه. وتردَّد إلى مجالس العِلم: اختلف إليها".
وليَس هذا تمريناً في اللغة، وإنّما مُحاولة لتحصيل فَهم أوضح لمشروع "الحافلات سريعة التردُّد". وكنّا نمُرّ بشارع الجامعة ونتأمل، ونحنُ عالقون في تشابك السير، ذلك العمل الغامض في وسط الطريق، ونتخيل: ربّما سيكون الباص المتردِّدُ شيئاً شبيهاً بقطار العَربات الطويل الذي يسير على عجلات في مدينة الملاهي؟ ربّما سنصبح أخيراً أمّة متقدّمة مثل الإنجليز؛ نضبط ساعاتنا على وصول "الباص" في الموعد، بالثانية، ونصلُ إلى وجهاتنا في الموعد؛ ربّما نرى حافلات أجمل من الباصات الحمراء ذات الطابقين في لندن، ويصبح خطّ الباص العَمّاني المتردّد مزاراً للسُيّاح.
لكنّنا بحسّنا البسيط غير الهندسي، لَم نكُن نرى مقدّمات تُلمح إلى تحقُّق هذه الأحلام. كنّا نرى عَملاً كسولاً غير منظم، يُعرقل قطاعاً كبيراً من الطريق في وقت واحد ويضيّق المسارب والنّفس. وانتهى كُلّ ذلك بقطاعين مقطوعين ناشزين، يحتلان وسط الشّارع الذي كان عريضاً، محفوفين برصيفين وشجيرات مثل الأرض التي لا تعود لأحد. ونسمَع من حين لآخر أنَّ هناك تردُّداً في استكمال مشروع الباص المتردِّد، لأنَّ إنجازه يصادف عقبات تقنية وطبغرافية وأشياء أخرى. والذي حصَلنا عليه حتّى الآن فِعليّاً: ضيق الطريق، ومركباتٌ أصبحت أبطأ تردُّداً بسبب ذلك.
رُبّما لا يجوز لي أن أسأل عن هذا المشروع، إلا بقدْر ما يسببه الشارع في وسط الشارع لي ولغيري من عصبيّة بتعثُّر السير على جانبيه. وقدْ لا نفهمُ، نحنُ المواطنين، رفعةَ التّقنية المُتعالية والفكر الخلاق اللذين سيجعلان عمّاننا أجمَل. ثمَّ إنَّ التساؤل عن الحكمة وراء هذه المشاريع الاستراتيجية أو الضيق بها يُمكِنُ أن يُعدّ في باب التنكُّر للمصالح الوطنيّة العُليا. لكنَّها أسئلَة متعجِّل -قاتل الله الفُضول- عنْ متى سنشاهدُ الصَّرحَ البارعَ الذي سَتُسفر عنه نُقودنا من أجل أن تُصبح حياتنا أسهَل. وأتساءَل، تساؤُل غير المُدركِ للحكمة من وراء الأشياء فيما يبدو: لماذا تردُّدُ مسؤولينا السّريع في استكمال المشاريع التي لا تَلبثُ حتى تتوقف بعدَ أن تبدأ، بعد صرف الوقت والجهد والمال والآمال؟ (التردد هُنا بمعنى التراجُع).
عندَما يقرضون المواطِن قرضاً صغيراً ليبدأ عَملاً صغيراً، يَطلبون منه دراسة جدوى؛ وتفصيلاً للآليات، والكُلف، والمردود، والفترة المتوقعة للبدء بطرح الثِّمار. ولا يَجوز لدولَة أنْ تخطئ في الحِسابات حينَ يتعلّق الأمرُ بمشاريعَ تقضُم قِطعاً مِن مال البلد القليل. والأهمُّ، حين يترُك المشروع سيئ المشورة ندوباً وتشويهات في وجه عمّان، المدينة التي كُنا نقولُ، ونعرف، منذُ طفولتنا أنها من أجمل العواصم!
ولأن الشيء بالشيء يُذكر، نستذكر وسَط عمّان "البلد" الذي كُنّا نتجول فيه بين المرتادين والمريدين الكثر الذين لا يطيقون فراقه يوماً، وكأنّ الجميع سالوا إليه من الجبال السّبعة دفعة واحدة، وكلَّ الوقت. والآن، أصبحَ وسطُ المدينة للكثيرين منّا غريباً متقلِّب المعالم. بل إننا قد نتردد في الهبوط إليه بعد غيبة قصيرة، خوفاً من اختلاف الاتّجاهات واحتمال تضييع الطّريق. فهَلْ حقّاً ستُصبح "عمّان-البلد" بعد كلّ هذا التحريف، وُجهة سيأتيها السُّياح من آخر الدُّنيا؟
يبدو أنَّ الترُّدد السَّريع (بمعنى التعثُّر؛ والاشتباه في الشيء وعدم تثبيته) أصبح مُمارسَة شائعة، تكشِفُ عن عقلية مسؤولين يديرون حسابات البلد كما كانَ يفعل "أبو عزمي"، صاحب الدكان العَجوز في حارتنا، حين كان يسجّل ديون الزّبائن على دفتر تالف بخطّ لا يعرف كيف يقرأه، ويعتمدُ في النهاية على ذاكرة وذمّة المَدينين. وكذلك التردُّد (بمعنى تكرار الاختلاف إلى الشيء)، حيثُ يعودون إلى الأخطاء نفسها غير عابئين بخطورة العبث في بدء مشاريع عامّة كثرت احتمالات فشلها، في ضوء الإمكانات التي لا نملك ترف هدرها. أمّ أنَّ المسأَلة لا تُشبه بساطة بقّال حارتنا وحُسن طويّته؟
كنتُ أتمنّى أن ينجح مشروع الحافلات سريعة الترُّدد (بمعنى الرجوع مرّة بعد أخرى) لالتقاط ركّاب عمان وإيصالهم سالِمين. ولا أتمنّى أن تُصبح معاني الترَّدد الأخرى طِباقَ العقل في بلَدي.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة