لا أعرف كيف أبدأ، فالفكرة مثيرة للاشمئزاز جملة وتفصيلاً، ويصعُب سردُها بكلمات غير مُغثية. وأتحدّث هنا عما نشرته "الغد" أول من أمس عن المستثمر "الإسرائيلي" الذي أدخل إلى الأردن أطناناً من "الفضلات الآدمية" في شكل سماد. وليس المُزعج في الموضوع أن يكون "إسرائيلي" قد فعل هذا، فلم نكن لنتوقع من هؤلاء غير ذلك؛ لكنّ المُقرف هو أن يكون أردنيّون، من مواطنينا، متواطئين في إطعام مواطنيهم فضلات المستوطنين.. غريب!
السّماد المعنيّ يُسمّى "الحَمأة". والحَمَأ، في المُعجم، هو "الطين الأسوَدُ المُنتِنُ، والقطعة منه حَمَأة". لكنّ السّماد الذي يستورده هذا "المستثمر"، ليس طيناً مُنتناً فحسب، وإنما مستخلص صافٍ من مياه المجاري. وكما كشف التقرير المذكور، فإنَّ "السّماد" المستورد مصنّع من مجارير مستوطنة "ريفيفيم"، في محّطة تنقية مياه هي الأعلى كفاءة في دولة الكيان، بحيث لا تترك في مياه المجاري أيّ قاذورات. وبهذا، يكون هذا "الشيء" المستخلصُ المكرّر، هو الذي مّرره -ليأكلَهُ مواطنوهم- عددٌ من مواطنينا "الأردنيين" ممَّن صادقوا على الإذن، ربّما دعماً لاقتصاد البلد؟!
حتّى لا أكتب بعصبيّة وبلا تبصُّر، لم يذكر التقرير ما إذا كانت مزرعة "الإسرائيلي" في الأردن تبيعُ منتجاتها المعطّرة في السوق المحليّة. لكنّني أميل إلى استنتاج أنّ ذلك ما يحصل، لأنّه لا يُعقل أن تمرّ هذه البضاعة على الأوروبيين الذين لا يغشّون مواطنيهم بالمنتجات ويضمنون خلوها من السّموم؛ ولا يريد وزير أو مسؤول خائن لضميره هناك أن يغامر باحتمال شراء الفاكهة أو الخضار المسمومة، فيقتل نفسه وأولاده قبل مواطنيه. كما لا أتوقّع أن تسمح "دولة" هذا "المستمثر في قتل الأردنيين" باستيراد بضاعة أصبحت أردنية، بالولادة، وهي التي سبق أن رفضت بندورتنا باعتبارها غير صالحة لاستخدام البشر، كما أذكر.
إذن، يُرجّح كثيراً أن تكون فواكه "المُستثمر" المذكور وخضراواته قد بيعت في السّوق الأردنية، ومن دون أن يكون عليها "ليبل" يقول إنّها منتج إسرائيلي، ما دامت قد نبتت في الأردن فأصبحت "بلديّة". ولا أنصحكم بتصوُّر أنكم لا بدّ أن تكونوا قد اشتريتم شيئاً من بضائع مزرعة "المُستثمر"، المُسمّنة بسماد محظور في الأردن لشدّة سُمّيته، فالخاطر يغثي. والأسوأ من سُمّية "الحَمأة" الكيميائية، هو أنّها أيضاً مستخلص الفضلات "الآدمية" لعصابات المستوطنين في "رفيفيم"، إمعاناً في احتقار آدميّة الأردنيين، و.. لا أعرف كيف أقول ذلك!
وعن السُّمية الكيميائية -وهي ليست أسوأ الشرور في هذه الحالة- ذكر التقرير أنّ الدول المُحترمة، تبحث وتتوسّل وتدفع حتى تقبل دول أخرى (لا تحترم نفسها بالتأكيد) بمجرد استقبال هذا المُنتج لدفنه في أراضيها، ناهيك عن دسّه في طعام أبنائها. ويعني هذا أنّ هذا "السّماد" يماثل في خُطورته النفايات النووية المشعّة. وهو يحتوي بالإضافة إلى جراثيم وبكتيريا الفضلات الآدمية، سموم كيماويات المصانع. ومما ذكر التقرير أنّ وزارة زراعتنا مّررت ما مجموعه 1119 طنّاً من السُّم القاتل والمُهين تحت بند "عيّنات" للفحص (تمكن العودة إلى التقرير لمعرفة المشتبه بهم، حتى لا أُتّهم بالقدح والذمّ). لكن الأكيد أنّ هناك متورطين عارفين، وآخرين تواطؤوا بالسكوت على ما يعرفون. أمّا أن يكون الجميع جاهلين، فتلك ثالثة الأثافي وعلى الدّنيا السلام.
ولنَعُد إلى الأصل. فقد ثبَتَ بطول الخبرة أنّ خيراً لا يُمكن أن يأتي أبداً من هذا "الجار" الجائر والمعادي من يَوم يَومه. وكأنّما انقطع المُستثمرون وضاقت الدُّنيا على الأردنيين حتى لا نكتفي باستقبال هذا "المستثمر"، بل ونقدّم له التسهيلات حدّ السّماح له بأن يطعمنا ما لا تَحسُن تسميته، وندفع ثمنه من جيوبنا أيضاً، وبهدف "تطبيع إسرائيل"! ولا أعرف إذا كان مسموحاً للأردنيّين أن يستثمروا عند الكيان أصلاً، ناهيك عن تعمُّد إطعام مُستوطنيه فضلات الأردنيّين. لكنّني لا أستغرب أن يعتبر الكيان مثل ذلك عدواناً على أمنه القومي، فيثير أزمة دبلوماسيّة، وربما حرباً.
أما نحن، فلا نملك سوى رجاء السرعة والجدية في تحديد ومجازاة المتورّطين في هذه المسألة غير البسيطة، فيكونوا عبرة. وكأنّما لم يكفِنا أن نأكل الفضلات "مجازاً" ليصبح ذلك حقيقة. وللحقيقة، فإن الحقّ ليس على "مستثمر" القتل، ولَم يبقَ إلا هذا..!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة