"رجل الأمن" السوري في السروال الرياضي واللباس الداخلي "الشبّاح"، ينهال بكل أطرافه ضرباً على المُعتقل المقيد بالحبال. وإلى جانبِه، يدوس آخر بلباس عسكري رأس فتى صغير مكبَّل اليدين هو الآخر. وفي عاصمة عربية أخرى، يطلقون الرصاص والغاز على متظاهرين سلميين. وفي ثالثة، يضرب شرطي مواطناً بآلة للشواء. وفي كل هذه الأمكنة، يوصف المواطنون المضروبون بوصف واحد: "قوى خارجية".
وهكذا، إذا كنتَ مُتظاهراً ناشطاً، أو تفكّر بأن تلتحق بالمتظاهرين، أو تتعاطف معهم أو تفكر بأنك غير متصالح مع النظام الذي يَحكُمك، فإنك "قوى خارجية"، بالفعل أو بالإمكان. أمّا "القوى الداخلية" الوحيدة، فالأنظمة وقوّاتها، وشبيحتها، وبلطجيتها، والفَرحون باستمرار عبوديّتهم للسادة المحليين المُباح لهم  وحدهم أن يعملوا، تحت الشَّمس، لقوى خارجية.
وفي الحقيقة، يعمَلُ مُعظم المواطنين العرب لقوى خارجية: فعَوالمُهم الشّخصية مُصادَرة؛ وإرادتهم مرهونة بالكامل لمشيئة قوى من خارجهم، بحيثُ يتحركون كالدُّمى، ويُسالِمون ويُحاربون بالإنابة. وأحياناً، يصيبُهم مسٌّ بمرض الشكّ في الأفكار والأنظمة والبِنى التي تربّوا عليها منذ الصغر، فيقرأون أفكاراً ويتأملون أنظمة وبنى خارجيّة، وقد يقتنعون بوجاهتها فيعتنقونها. وعندئذ، يكون قد تلبَّسهم شيطان الغُربة، ويصبحون "خارجيين" وخارجين على الأعراف، ومُعادين للاستقرار والنظام المستقرّ منذ الأزل.
والعدالة الاجتماعية؛ الديمقراطية؛ تكافؤ الفرص؛ الانتخابات؛ وكل هذه المفاهيم والمصطلحات، هي أشياء "خارجية" قطعاً. والدليل، أنّ أيّاً من هذه المفردات لَم يرد في الشعر الجاهلي، ولا حتّى في السّير الشعبية التي تعبّر عن المزاج العربي العام. أمّا المألوف في الثقافة، فبلوغ قمّة الشُّهرة والشّاعرية بمدح الخليفة، أو التغنّي بالقبيلة وغزو العُربان المجاورين، والتغزُّل بالفتيات في الخُدور. وشؤون الحُكم، لا يَلزم أن تُسجّل أو تُبحَث لأنها تحصيل حاصل، له جماعته التي تنشغل به وتجنبُك عناء الغرق في متاهاته. والشيءُ الوحيد القَمين بالتسجيل، هو انتصارات القادة وأسماؤهم على لوحات المباني، وهو شأنٌ تهتم به جماعة من المؤرخين الموظفين لهذه الغايات. أمّا أن يتدخل الصِّغار في شؤون الكبار، فيبدون رأيهم بمَن يحكُم أو كيف يحكُم، فليس من شيَم المنطقة. ومكان الصّغار، والدَّهماء، هو الجلوسُ عند الباب وليس في صدور المَجالس والإفتاء فيما لا يعنيهم ولا يَعلَمون. وإذن، تتفلسفون وتتحدثون عن اليوتوبيا، وأنتُم تعلمون أنّ فكرتها وضعيّة و"خارجية". والديمقراطية وتغيير الترتيبات، هي مكوّنات مشروع "الشرق الأوسط الكبير"، وهو مشروع خارجيّ بامتياز، تَعرفون مَن وضعَه. أمّا الشكوى على الأب، والوليّ، لأنّه ضربك أو حشرك في غرفة الفئران بعد أن عصيته وتحدثت بما لا يُرضيه، فسلوك "خارجي" خاصّ بالمُجتمعات المنحلّة التي لا تُقيم اعتباراً لكبير، وتحبُّ الفَلتان. وكيفَ ستتعلمون إذا لم يؤدبكم الكبار بالعصا، فتحفظوا حكمتهم وتورثورها لأبنائكم؟!
الصّحيح أنّ ما يفكّرُ فيه هؤلاء المطالِبون بالتغيير هو كُلُّه خارجيٌّ في خارجيّ. وهُم في أحسَن الأحوال جاهلون مغرّرٌ بهم، يعمَلون على زعزعة استقرارهم وهدم أوطانهم وهم لا يَعلمون. إنهم زُعران وجرذان، وعملاء للأميركان. كيف لا وهم يريدون إسقاط حاكميهِم الضليعين الخبيرين في ضبط النظام والمحافظة على القانون، وإبقاء كلّ شيء في مكانه لا يَريم؟ وكيفَ سيتأقلمون عندما يتغيّر عليهم الجوُّ ويحكُمُهم أناس لَم يتعوّدوا عليهم؟ ولماذا تغيير الوجوه وكثرة الدخول والخروج، والتعددية؛ أي كثرة الأيدي التي تحرّك القِدر، فتحترق الطبخة وتَذهبُ البَركة؟! 
الثّورات أصلاً فكرة خارجيَّة. أما عندَنا، فاسمها تمرُّد على صاحِب الأمر وخُروج على المِلّة، وعقابُها التقتيل والضربُ على الأيدي والأعناق، لأنّك تكون قد أصبحتَ خارجاً على الطاعة، وتنكّرت للبيعَة التي وُلدتَ وهي قائمة. وحتى تكونَ مواطناً مثالياً ووطنيّاً، فإنك يجب أن تكون "داخليّاً"، أي أن تلتزم بقوانين هذا الداخل القَدريّ المرتّب، فلا تنكأ فساده. أمّا إذا أردتَ أن تكون "داخلياً بامتياز"، فإنّك ستعمل الآن بلطجياً، أو شبّيحاً، أو مغنيّاً "وطنياً". والأفضَل أن تبدأ بضرب الصّغار حتى يتربّى أقرانُهم الذين يُشاهدونهم وهم يموتون عذاباً. 
هذا زمان الحرب: "خسئتم.. إلى الأمام". ولهذا دَعمنا الرياضة، وجعلنا الناس يُربّون العضلات. شاهدوا كَم هُو عَفيّ، و"داخليٌّ حقيقي"، هذا "الشبيح" السّوري في "الشبّاح،" الذي أكل من خير الوطن ونام كثيراً ففاز، ولم يصبح "خارجياً" مثلَكم!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة