ذهبت إلى القراءة هرباً من الصّداع والغثيان. أردت شيئاً يُعفي الذّهن من التجوال في أماكنَ تُفاقم الألم، حيث يُمكنه الاستماع فقط، بلا حاجة إلى التفاوض. لكنني صادفتُ نسخة قديمة مصفرّة الأوراق من مسرحية جان بول سارتر "جلسة سِرّية". والقصّة فانتازيا على الطريقة السارترية المليئة بالتفاوض، يُعاقَب فيها الثلاثة "الغائبون" (كما يصفون أنفسهم هروباً من مُفردة "الموت")، بحبسهم في غرفة بلا مرايا. وعند نقطة معينة، ترغب إحدى المرأتين "الغائبتين" حديثاً، بتفقد وضع مساحيق زينتها وأحمر شفاهها كما يجب. ولأنها لا توجد مرآة، تتطوع زميلة الغرفة و"الغياب" بتفقد زينتها؛ مع وعد بأن تكون معها "صريحة، صراحَة المرآة."
وتحرّض الأجواء ذهني على التفاوض أيضاً: كيف عاش أسلافُنا سُكّان الكهوف بلا مرايا؛ بلا الرّفيقة الفضّية التي نزورها جميعاً لنتفقّد وجوهنا ووجودنا مرّة يومياً على الأقل، وإلا قضينا يومَنا غير طبيعيين وبلا يقين؟ لكَم نثق نحنُ بأنّها لا تكذب علينا المرايا: إنها تخبرنا بأننا صحونا نَضِرين أو ذابلين؛ تدلنا مُباشرة على خطّ جديد أضافته الليلة الفائتة إلى تجاعيد الجبهة؛ وتشير لنا إلى تغَضُّن طازج التحق بأسفل العينين، أو تفاجئنا ببواكير بياض شرع بغزو الحاجبَين. وفي كلّ زيارة، نعرف من المَرايا أنّنا كبرنا يوماً أو بعض يوم، بصراحَة مرآة معصومة من العَتب.
لكنّ المرايا تكذب. نعَم؛ فقد تأكدت من وضع ساعتي في اليد اليُسرى، في حين يضعها شبيهي في المرآة بالتأكيد في يده اليُمنى؛ وأغمزُ له بعيني اليُمنى، فيغمزُ لي بعينه اليُسرى. وإذا احدودبَت المرآة قليلاً، رأيتُ فيها وجهاً أكثر امتلاءً واستدارة؛ وإذا تقعَّرَت، صار وجهي أكثَرَ استطالة وشُحوباً. ولا تكذب المرايا فحَسب، وإنّما تتواطأ معنا في الكذب على الآخرين، ولا نخجل أمامها ونحن ننزع الشّيب المبكر الذي لا نريد أن يلحظه الآخرون، ولا نكترث بأن ترى وجوهنا التي نستيقظ بها من النوم وقد تلبّثت عليها بقايا النُّعاس وفوضى الليل، قبل أن تعينَنا هي في ترتيبها قبل مقابلة الآخرين.
بلا المَرايا، ما كُنّا لنستطيع تزويق تقاطيعنا وتزوير أقنعتنا بكل هذا الإحكام حتّى نبدو حقيقيّين تماماً. ثمَّ، كيف أتأكد بلا المرآة أن حلاقي صفّف شعري بهيئة أنيقة؟ كيف أعرف أن صديقتي لا تكذِب عليّ حين تقول لي إنني وسيم، أو حينَ يقول لي حاسد إنَّني قبيح التقاطيع؟ كيف أهيئ نفسي لحضور حفلة عُرس كما ينبغي لأستدرج بعض الانتباه؟ ربّما كنّا سنطور بلا المرايا حاسة قراءة ملامحنا بالأصابع، مثل الكفيفين. أم أننا كنّا سنصبح أكثر بصيرة وانشغالاً برؤية محيطنا لو أنها انكسرت مرايانا؟ هل كنّا سنستعمل الوقت الإضافي بدونها في ترتيب داخلنا الفوضوي؟ هل كنّا سنُعنى أكثر بِدراسة كيفَ يرانا الآخرون، أو بأشياء أخرى تَعني الآخرين فينا؟ هل كنا سنتحرر من انشغالاتنا النّرجسية الطويلة أمام مرايانا الزجاجية التي تحترف افتعال الحياد؟
يقولون إنهم يصطادون القُبّرات بالمرايا، ولا أعرف كيف. ربّما ترى القبرة نفسها في المرآة، فتظنّ أنها عثرت على رفيق، فتقتلها المرآة. ربّما نفتتن نحنُ أيضاً بآخر نظنّه توأم روحنا الذي يشبهنا تماماً، فنقع في فخاخ صياد بلا قلب. وبلا مرايانا، سيعكسنا الآخرون على هواهم. قد يقرؤون لنا ملامحنا بلا تزاويق، لكنهم يستطيعون أيضاً أن يفضحوا أسرارنا للجميع في لحظة جَفاء، بلا مساحيق ولا أقنعة. وقد يزعمون لنا بأنّ ندبة قبيحة شوهت أسفل الفم، فنخجل من الخروج.
من المعذِّب أن تضطر إلى اكتشاف نفسك في الآخرين، وأن تحتاج إلى رؤية نفسك فيهم. "الجحيم هو الآخرون". ومن السّهل كسْر مرآة واستبدالها بكُلفة أقل كثيراً من إرسال آدمي لا يُعجبنا انعكاس صورتنا فيه إلى أي نوع من الغياب.
لم تعجبني فكرة العيش في غرفة بلا مرايا سوى الآخرين؛ فكرة التعذيب في جحيم الآخرين؛ وقد أصابني قَلق سارتر الوجودي وتوتر غائبيه بعدوى الهذيان، لا مِراء. ومن الأساس، لَم تكن من الحصافة في شيء زيارة سارتر تحت وطأة الصُّداع والغثيان. والآن، صار ينبغي أن أذهب الآن فأستمزج مرآتي، علها تؤكد لي أوبَتي من عالم "الغائبين".
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة