أيام الطفولة، كان المتظاهرون يرددون هُتافاً في الستينيات: "تشي غيفارا قال: أميركا راس الحيَّة". ولا أعرف إذا كان غيفارا قد قالَ ذلك حرفياً، لكنه اعتقد به نظريةً وممارسةً بكل تأكيد، شأنه شأن أيّ مناضل من أجل الحرية في العالم المعاصر. والحقيقة أنّ المجاهرة بهذا الشعار ونظائره عن أميركا ظلت دائماً مغامرة تجلب على صاحبها سُخط السلطات في أكثر من مكان عربي. والذرائع مختلفة، من الاتهام بتخريب العلاقات الدبلوماسية مع بلد صديق، إلى تعمُّد الإلماح إلى تبعية الأنظمة المحلية لأميركا وإسلام شعوبها لها. وقد أفضى هذا التماهي الرسمي مع أميركا إلى اعتبار الوعي الشعبي وصف أميركا بالعدو تجاوزاً، حتى صار المعظم يترددون في استخدامه.
وينسجم ذلك مع منطق الغمغمة والتمويه السائد في خطابنا، بحيث نحبُّ مناجزة "البردعة"، ونترك الحِمار. والحقيقة الساطعة التي نحاول أن نغطيها بغربال، هي أنّ العرب المعاصرين لَم يواجهوا عدوّاً أكثر من أميركا مكراً وقساوة ودأباً على تدميرهم وإرجاعهم إلى ما قبل الجاهلية. وقد فعلت أميركا ذلك حرفياً أخيراً في العراق، وما تزال تفعله منذ زمن طويل في فلسطين، وتتفنن في تحقيقه كل الوقت، في كل بلد عربي من المحيط إلى الخليج بتمكين وكلائها الديكتاتوريين المحليّين الوحشيين.
ولسنا الضحايا الوحيدين: إسألوا الفيتناميين والكوبيين والتشيليين والفنزويليين والفلبينيين والأفغان المذبوحين، ومن لا تسعهم المجلدات من سكان الكوكب. وقد أصبحت هذه الدولة الإمبريالية عديمة الشفقة المكافئ المعجمي المعاصر لمفردة "الهيمنة" رديئة الوقع. وكانت دولة المستوطنات هذه نفسها قد قامت على مبدأ الاحتلال، والإبادة الجماعية، وتفريغ الأرض من أصحابها الأصليين ورفض التعايش. ومن هذه الجذور الضاربة في الوحشية والتي تتغذى على دم الضحايا، تنبت "شجرة الديمقراطية" المزعومة. وبسبب هذه الخلفية، لا يتوانى المستعمرون السابقون والحاليون عن الدعم الوقح لكل الكيانات التي تنشأ على نفس المبادئ، وتصفها بالديمقراطيات، وعلى رأسها الكيان الاستعماري الإقصائي العنصري في فلسطين المحتلة.
وعندما تدخلت أميركا في أوروبا في الحربين، فعلت ذلك بعد أن ذبح الناسُ هناك بعضهم، وأنجدتهم وهم منهكون ليظلوا تابعين أبديين لإرادتها وقابلين بقواعدها. وفي واقع الأمر، لم تفعل هذه الدولة أيّ شيء لسواد عيون أحد، أو خدمة للمبادئ السامية التي ادعتها لنفسها وحرّمتها على الآخرين. ويعرف كلّ متتبع لتاريخ تطور أميركا، أنّ ديمقراطيتها الداخلية نفسها ظلت مشرقة المظهر ما دامت هناك فرصة لمواطنيها في التعايش مع سرقة نخبهم لمعظم مقدراتهم، وما دام بوسع الفرد أن يتدبر أمر كسبه. وقد بدأ ذلك بالتكشف الآن، بعد أن شرع الأميركيون باختبار الجوع، ورأوا كم هم مخدوعون ومسروقون. كما اكتشف الناس هناك لاأخلاقية تدخلات ساستهم في الخارج لقمع حريات الشعوب واستغلال حاجاتهم إن أمكن، على طريقة "شيلوك".
ويعرف الجميع أنّ أميركا هي الزعيم المُتسيد قمّة الرأسمالية والحاكم بأمرها. وقد طبق هذا المبدأ في أبرع تجلياته هناك، بحيث تركزت الثروات في يد القلة الجشعة على حساب الكثرة المخدوعة. وبالتوازي، انسحب هذا الواقع على توزيع ثروة العالم الخاضع للعقل الاقتصادي الأميركي الانتهازي، فذهبت معظم ثروات الكوكب إلى جيوب بضعة أفراد يمكن تصنيفهم في قوائم بالاسم، بينما يتصارع كل مواطني الكوكب الآخرين المجهولين على الباقي. والنتيجة: وحش الجوع الذي بدأ يأكل الناس جهاراً نهاراً.
لو كانت جريمة أميركا الوحيدة هي ما فعلته وتفعله بالفلسطينيين طوال هذه العقود لما استحقت أقل من الإعدام لقاء ارتكاب أسوأ جريمة معاصرة ضد الإنسانية. وآخر ذلك ما يفعله زعيمها الأخير الذي ألقى بمبادئة في حاوية على باب البيت الأبيض، وأسلم ناصيته لنخب النفط والمال والعسكر والصهيونية. وبالنسبة لنا نحن العرب، من العيب أن نقول الآن فقط: "سقط القناع"، لأن القناع ساقط من أول الخليقة. ومن العيب أيضاً التعويل على هذا العدوّ الواضح وطلب نصرته في أيّ مسعى عربي لتلمس النور.
بئس عالمٌ تحكمه جهة بهذا التاريخ من القسوة والازدواجية والتدمير المنهجي لكل قيم العدالة والإنسانية. وإذا كان الحيّة هي التي أخرجت البشر من الجنة، فكيف لا يأنفون من التحديق في وجه أميركا: راس الحية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة