في المشهد الختامي لرائعة الروائي الإنجليزي فورستر "معبر إلى الهند"، وفي جولة وداعية يقوم بها الطبيب الهندي عزيز على ظهور الخيل مع "صديقه" الإنجليزي فيلدينغ، يقول عزيز: "سئمنا من الإنجليز. هذا أكيد. اخرجوا من هنا يا رفاق، وبسرعة. ربما يكره واحدنا الآخر، لكننا نكرهكم أكثر. إذا لم أجعلكم أنا تخرجون، أحمد سيفعل، كريم سيفعل، حتى لو بعد خمسين-خمسمائة سنة، سوف نتخلص منكم. نعم، سوف نلقي بكل إنجليزي بغيض في البحر. عندئذ.... سوف نكون أنا وأنت أصدقاء".
"لماذا لا نكون أصدقاء الآن؟" قال الآخر، وهو يمسك به بمودة. "هذا ما أريده. هذا ما تريده". لكن الخيول لم ترده، وابتعد الحصانان مُفترقَين؛ والأرض لم تُرده، فأرسلت صخورها لتضيّق الطريق فيعبُرَ الرّاكبان فُرادى؛ والمَعابد، الخزّان، السجن، القصر، الطيور، الجِيَفة، وبيت الضّيافة، التي انفرشت أمام البصر عندما نبغا من الفجوة ورأيا "ماو" تنداح تحتهما: كلها لم ترد ذلك. كلها هتفت بأصواتها المئة: "كلا، ليس بعد"، والسماء قالت: "كلا، ليس هنا".
عذراً لطول الاقتباس، لكنه نصٌّ هائل يستحقّ الزيارة، وأنا أحبُّ أن أستشيره كلما ساورني الشكّ إزاء ماهية "الآخر"، وارتبكت أمامي المسافة بين "القبول" و"الرفض" في السياق الإنساني العريض. وقد حرّض السؤال في الفترة الأخيرة صديق شاعر، قرّر مقاطعة نشاط يشارك فيه "إسرائيليون"، وشاورني في موقفه. وقبل أيام، قررت عزة بسباس، بطلة تونس وأفريقيا في رياضة المبارزة بالسيف، أن تخسر بطولة أولمبية، فلم تخض النزال الأخير أمام لاعبة "إسرائيل". وقبل ذلك، أثار فينا موقف فنانين "إسرائيليين" قرروا عدم الأداء في المستعمرات واعتبارها احتلالاً غير شرعي شيئاً من العاطفة.
في أدبيات الحروب، يَصفون مشاعر الجندي وهو يحاول التوفيق بين القتل، كفكرة، وبين الواجب الوطني، كفكرة. وفي المعارك، تصبح الأشياء بالغة النسبيّة، ويعتقد كلُّ طرف بأنه يدافع عن شيء أثير ومقدّس وإنسانيّ، لكنّ المَعنى العميق يتلخَّص في عِبارة موجزة: "اقتُل، أو تُقتَل." وربما يصادف أن يكون أحد المتقاتلَين شاعراً، أو عازفاً، أو رساماً. وربّما يكون قد تأمّل في أيام الدّعة نفس السؤال عن "الآخر"، والرفض والقبول. ربّما يكونَ قَد حلُم بعالم يغمره الحب، لكنّه أصبح الآن منشغلاً تماماً بوجوده الشخصي في خندَق مُترب مظلم ومرعب، يحوم حوله المَوت. ربّما يكون الفنّانون الذين رفضوا الأداء في المستعمرات أيضاً قد خدموا في جيش الاحتلال، وأطلقوا الرّصاص على أبرياء يريدون قُراهُم ومنازلهم. وعندها، كانَ السّائد هو رفض الآخر ونفيه، وعلى أساس الواجب الإنساني نفسه.
في رواية فورستر، قال عزيز إنّ الهنود، مسلمينَ وهندوساً وبوذيين، ربّما يكرهون بعضهم البعض، ويناوش أحدهم الآخر باعتباره "آخر،" لكنّ الخطر الكليّ الذي يمثله الاحتلال جمَّع الكراهية باتجاه النقيض الوجودي "الآخر" المُختلف تماماً. كان شعور الهنديّ، أياً كانت ملّته، هو الرفض المطلق للإنجليزي الفوقي القادم لاحتلاله واسترقاقه بالبندقية. وفي كثير من اللحظات، لا بدّ أن تكون عاطفة قد خالطت قلب عزيز أيضاً تجاه فيلدينغ، الذي عاضده أيام المحنة في قضية كان طرفها الآخر إنجليزية عُصابيّة من مواطني فيلدينغ. لكنّ المسألة لَمْ تكُن شخصيّة في نهاية المطاف. كان فيلدينغ هناك، لأن الغُزاة كانوا هناك، حتى ولو أنّه كان معلّماً وليس جندياً. كان جزءا من قوّة الاحتلال، من معسكر العدوّ.
مسألة الإنساني والمُشترك الكونيّ ليستْ قراراً فرديّاً. ليسَت مجرد "أنا أريد، وأنت تريد" بقدر ما هي مسألة سياق. إننّي مضطرٌّ للتأكيد على "أناي" عندما تكون مُهدّدة منك "أنت". ويمكن أن نقول "نحن" فقط، عندما تترك لي فرصتي وحيّزي من الكون. في الأساس النقيّ، ليسَ لديّ شيء مُسبق ضدك، بل إنني مستعد لأن أحبَّك. لكنّني أريد أن أحبّك وأنا حرٌّ منك.
إنك لن تمتلك عقلي وقلبي بالغزو. ولن تكون صاحبي وأنت تضمِر اغتيالي. ليسَ هذا هو مَعبَرُك إليّ. وما لم أكن نظيرك؛ ما لم تجئني بحبّ زائر، فإنك لن تكون صديقي. ثمّة قتلاي، وقريتي الَمسلوبة، وأهلي في السجون والحصار، والأمهات القابضات على جمر الانتظار، وآلاف الأشياء كلُّها تقول: "كلا، ليس الآن.. كلا، ليس هنا".!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة