عندما أراد الملك العجوز "لير" توزيع أراضي مملكته على بناته الثلاث، طلب إليهن التعبير عن حبهن له بالكلمات. وقد أجابته ابنتاه الكبريان، "غونيريل" و"ريغان" بخطابين منمقين خادعين يفيضان عاطفة. لكنّ البنت الصغرى "كورديليا" التي لاحظت الرياء الذي يقطر من كلام الأختين، عجزت عن مجاراتهما. وعندما سألها الأب: "أي شيء تستطيعين قوله أكثر بلاغة مما قالته أختاك؟" أجابته كورديليا: "لا شيء، يا سيدي". وعندما عقب ساخطاً بأن "لا شيء، ينتج لا شيء،" قالت كورديليا: "يا لبؤسي. أنا لا أستطيع أن أضع قلبي في فمي. إنني أحب جلالتك، بقدر ما تمليه عليّ صلتي بك وواجبي نحوك، لا أكثر، ولا أقل". لكن لير لم يفهم أن تحبه كورديليا بهذا القدر، واعتبر كلامها "غير العاطفي" إهانة، فتبرأ من ابنته الأثيرة ونفاها خارج مملكته.
وكان ما تلا ذلك مأساة كاملة على الطريقة الشكسبيرية. فقد قضى عقوق الابنتين الكبريين وجشعهما على كل ما تبقى من هيبة أبيهما وسلطاته، ودفعتا به مباشرة إلى الجنون. وفي النهاية، كانت كورديليا المنفيّة المعاقَبة فقط هي التي عادت من المنفى لتُسعف أبيها المرفوض المطرود. وعندما استعاد لير وعيه قليلاً ليعرف من هي كورديليا وما هي حقيقتها، كان المتآمرون قد قتلوها في السجن وتركوا العجوز مع الحسرة قبل النفس الأخير.
هناك بالتأكيد حاجة للتعبير عن عاطفة الحبّ باللغة، لكنَّ المفردات يمكنها أن تحاول فقط وصف هذه العاطفة الرائعة، ولا تستطيع أن تدّعي تقمصها. أمّا الأهم، والذي يُحدث كلّ الفرق، فهو التحقُّق العملي للمشاعر، وبغير ذلك يصبح الكلام أرخص من كُلفة الطاقة التي بُذلت في صناعته. وإذا تحرّى المرء كامل الصدق في التعبير عن العاطفة الجياشة، فإنّه لَن يقنَع باختزال الجوهر الكبير في الوصف الكلاميّ العارِض، وسوف تُعجزه اللغة، فيختار الصمت والدهشة.
ثمّة العاشق الصفيق الذي يهبط بالغزل إلى الابتذال، وكذلك الخطيب المُرائي والمدّاح المحترف، والسّياسي ذربُ اللسان سيّئ الأداء. وهناك في المقابل أولئك الذين يجهدون في العَمل بصمت من أجل صناعة شيء ملموس بعاطفتهم الكبيرة: أن يعملوا بجدّ ليكونوا كباراً أمام مَن يحبّون، فيكبروا بهم. لكنَّ من المفارقات المأسوية أن تصبح البلاغة المرائية هي الطريقة المُثلى للمنافسة في التكسُّب؛ للفوز بقلب محبوب أو لضمان حصّة غير مستحقة من الكعكة الاجتماعية.
في رواية شكسبير، كانَ أفضل رجالات لير هو "كِنت،" صديقه الذي شاهد ما صنعته البنات، فنصح مليكه بأن ينصف كورديليا. وبسبب نصحه الصادق، لم يختلف مصيره عن نصيب كورديليا، فطرده لير من فوره. وقال "كِنت" لكورديليا وهو يغادر: "لتشملك الآلهة برعايتها أيتها العذراء، صاحبة الفكر السليم والقول الحق". وقال للأختين المرائيتين: "أما أنتما، فلعل فِعالكما تؤيد كلامكما الكبير، فتصبح ثمرة كلام الحب هي الفعال الطيبة." وقد عاد "كنت" متنكراً أيضاً ليعضُد صديقه في أيام محنته، وبقي معه حتى اللحظة الأخيرة.
أفكر في كورديليا وطريقتها في الحبُّ، كلما رأيت مواطنيَّ المنصرفين إلى أعمالهم في الصباح، ممن لَم يوهبوا ملكَة الرياء؛ أو ربّما لم يتح لهم انهماكهم في الكَدح مساحة ولا إمكانيات لطلاء كلامهم بالعسل. وفي المُقابل، هُناك الذين يستثمرون في تَعسَيل اللسان، ويتقاضون أضعافاً من صنعة بيع الكلام. ومع أن الأخيرين عادة ما يكونون مكشوفين أمام الحسّ السليم، فإنّهم يستطيعون تزويق بضاعتهم وتسويقها مستعينين بهوس بعض المشترين بالإطراء. وعندما تحينُ ساعة العمل، يكون هؤلاء أوّل من يقفز من السفينة الغارقة، التي كانوا قد ملأوها بالثقوب أصلاً. وبسبب براعة الإلقاء، يخطف هؤلاء مركز المسرح من الآخرين الصامتين، ولا يتركون لهم سوى الهوامش والظلال.
على الصعيد الفردي، أو الجمعي، تصلح كورديليا معياراً لاختبار عاطفة الآخرين. إننا نحتاج في أيامنا الصعبة إلى أولئك الذين يضعون قلوبهم في أيديهم، وليس في أفواههم. إلى مَن يؤيدون الأقوال بالأفعال، ويظلون هنا إلى جانبنا مدفوعين بالواجب الذي تُمليه الصلة. نحن في حاجة إلى حبّ "كورديليا" الكبير جداً بطبيعته، لأنه حقيقيّ على قدر الرابطة، وبالقدر الذي يقتضيه الواجب، لا أكثر ولا أقل.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة