النظرة الأولى على جثة العقيد القذافي المُستسلمة بعد أن ناشها الرصاص، ربّما أيقظت في البعض منّا مشاعر الشفقة. إنها في التحصيل الأخير، بعد أن أصبحت خاوية من عقل العقيد السلطويّ، مجرد عرض بائس لحقيقة الإنسان النّهائية، مجرّد كُتلة آخذة في التحلل والعودة إلى عنصرها الترابيّ. لكنّ هذا الجسد نفسه كان يؤوي الروح الشرّيرة التي لم تشفق من مصارع الآخرين، وله نفس اليد التي كانت توقّع أوامر الإعدام والاعتقال وإيداع أموال الناس في الحساب الخاصّ.
المشهد المُفزع لتداعي العظَمة وتفككها إلى هذا الاستلقاء المُستسلم بين يديّ الموت، ينبغي أنْ يكونَ تكراراً شديد الوضوح للعظة الأزليّة التي لا يحبُّ أن يشتريها الأحياء: إنَّ الجميعَ ذاهبون إلى هذه النهاية التي يتساوى فيها الجميع، فلماذا التَّهالك على ما لا يلزَم؟ وماذا كان سينقص العقيد لو أنّه جرّب حصته من الحُكم، ثمّ انصرف إلى عمل آخرَ مع الاحترام والإجلال؟ وماذا صنعت له ملياراته وكتائبه حينَ ذهب بلا مجدٍ ولا بواكي، وأصبَح موته مدعاة للاحتفال؟ ولماذا لَمْ يختر منذ اللحظة الأولى أنْ يأخذ ما تسعه يداه ويذهب للعيش في بقعة هادئة بعد أن قال له النّاس: لا نُريدُك.. ارحل؟
المُشكلة في "الرجال الأقوياء" هي أنهم، كما استنتج صديق بحسّه البسيط، يصابون بمرض بعد قضاء وقت في الحُكم يكفي لترسيخ أقدامهم. إنّهم يصبحون مهووسين إعجاباً بالذات، وانشغالاً بالذات، بحيث لا يرون في أنفسهم خطأ واحداً. وفي غمرة تعظيم النفوذ والثروة، ينسون حتّى ملاحظة مصارع نظرائهم، ويتعاملون معها وكأنها شيء لا يعنيهم من قريب أو بعيد. وإذا كان المعَقبون والمراقبون يتحدّثون جميعاً عن العبرة في مصرع القذافي، فهل سنشهد حُكّاماً يتبرّعون طوعاً بإفساح المجال أمام غيرهم ليجربوا حظوظهم؟ هل سيحسُّ هؤلاء بكم أصبحوا ثقيلين وقديمين، أو بالحاجة إلى الاستراحة في زاوية هادئة بعيدة؟ لا أعتقد بأن أحداً سيعتبر. وكالعادة، سيرغب الجميع في تجربة قتل مواطنيهم إذا قالوا له إنهم لا يريدونه. وكالعادة، سيعتدّ الجميع بنصف شعب من المُوالين. ولكن، ألا يكفي الواحد رفض ثلث سكان البيت وجودَه حتّى يرى نفسه ضيفاً غير مريح، فيغادر؟
يعتقدُ بعض المحلّلين بأن نهاية القذافي ربّما تعرض على الطغاة الآخرين الدّرس الخطأ. ربّما يخافون من مواجهة نفس المصير، فيزدادون دمويّة، ويتخذون من شدة القمع حصنهم الأخير. وعلى الجهة الأخرى، يرى المراقبون في تجربة إسقاط الطاغية الليبي سبباً لملء قلوب الثائرين العرب الآخرين جسارة وسبباً للأمل. وقد برهنت الأجزاء التي انقضت من فصل الربيع العربي أنّ المزيد من القمع لم يولّد سوى المزيد من الأحقاد والرغبة في الانتقام، وأنّ الدم يستدعي الدم. وقد أثار مصرع العقيد تساؤلات عن الكيفيّة التي جعلت جثّته المُهانة لا تستدرّ من مواطنيه شفقة ولا عطفاً، فأجابت التقارير الإخبارية بأنّ لكل من هؤلاء المحتفين سبب: استشهاد ابن، أو سجن أب، أو الحسرة على البلَد المستلَب.
في المُقابل، وبقدر ما يمكن أن تكون الثورة الليبية مصدر إلهام، فإنّها يُمكن أن تكون مصدر إحباط إذا لم تؤيدها النوايا الحسَنة. ومع أنّ الشفقة على الأباطرة والطغاة المقتولين تعني عدم الشّفقة على بقيّة المواطنين، فإنَّ المرء يخشى أن يكون العرض الذي قدّمه الثوار الليبيون لمصرع العقيد وأبنائه مؤشراً على نفسيّة انتقامية غير متسامحة. وربّما رأى أحدٌ في ليبيا حكمة من عرض العقيد الميت مُهاناً هكذا، لغاية الاعتبار المذكورة وتخويف الآخرين مثلاً، لكنه كان من الجدير أيضاً تقديم عرْض للتسامي وليس للهمجية وشهوة القتل. والتسامي هو ما يلزم ليبيا، والعرب الذين أنجزوا ثوراتهم، لأنّه الضمانة الوحيدة لإعادة الوحدة في مناطق مهيئة، بنيوياً، للحرب الأهلية.
بشكل عام، تتشابه مصارع الطغاة، سواء ماتوا على الفراش، أو برصاصة في الرأس. فموتهم مفضوح دائماً بشهرة القتل، تتعقبه العيون والكاميرات، وتستدعي مصارعهم آخر ما ينبغي أن يستدعيه الموت: الفرح الطاغي وبرعمة الأمل. وإذا كان الموت هو النهاية الحتميّة، فإن الناس الطبيعيين يفكرون في نهاية مواسمهم بمَن سيندبهم ويبكيهم، فيتعزّون. أما الدكتاتوريون، فلا يبدو أنهم يحرصون على موت كريم.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة