يعرض موقع حركة "احتلوا وول ستريت" الأميركية صوراً فريدة لمجموعة من المحتجين وهم يحملون في أيديهم عرائض أحوالهم. وقد كتب هؤلاء شكاواهم على قطعة ورق أو ورق مقوى، بخط اليد ومع الشطب والتصحيح. ولا شكّ أن الفكرة رائعة، وحبذا لو نستطيع في الأردن أن نصنع موقعاً مشابهاً يُتاح للمواطنين، ويزوره المسؤولون المعنيّون ليطلعوا على أحوال الناس الشخصية بلا واسطة. والحقيقة أن قراءة عشرات الحالات تحرّض الفضول والمضيّ في القراءة. لكنّ الملاحظ بقوة أنّ حالات الأميركيين لا تختلف في جوهرها عن مطالبنا نحن، وحالاتنا نحن.
كان مما جاء في تلك العرائض: "سئمتُ من تعرضي للسرقة على يد الأغنياء والنافذين. أنا أكافح الآن من أجل البقاء بعد 36 عاماً من العمل، أنا الـ99 %"؛ "أنا أدرّس في مدرسة ثانوية في حي فقير. أقول لطلابي إنهم إذا عملوا بجدّ لتحصيل تعليم جامعي، فسيتمكنون من الحصول على عمل جيد، وإعالة عائلاتهم.. أنا أكذب على طلابي.. أنا الـ99%"؛ "معدل ذكائي 140، أتحدث لغتين بطلاقة، أحمل درجة الماجستير، أحاول فقط كسب خبز يومي. كنت أعمل بأجر قليل أو بلا عمل منذ تخرجت. أفكر الآن بالعودة للعيش مع والديّ المتقاعدَين لأنني عاجز عن تدبر أموري وحدي!"
ألا تبدو هذه الحالات مألوفة؟ ألا تتماهى عروض حال معظمنا مع هذه الأحوال في معقل الرأسمالية نفسه؟ ما يزال أصل متاعب مواطنينا من سكان العالم جميعاً، كما كان شأنه دائماً، هو استئثار القلّة غير المبرّر والظالم جداً بمعظم مقدّرات الكوكب. أما التسويغات المتداولة -إضافة إلى التفسيرات الغيبية والميتافيزيقية- فهي "العصامية" و"الاجتهاد" وما شابه. ويفترض هذا التفسير أن نسبة 1 % من البشر هم وحدهم الذين يجتهدون، ويمتلكون المواهب الخارقة والطاقات الاستثنائية التي تجعلهم مميّزين، بينما جميع الآخرين أناس متبطّلون بلا اجتهاد ولا إمكانيات!
لا حاجة بطبيعة الحال لقول إن 
الـ99 % من سكان الكوكب هم الذين ينتجون -من عمال المناجم والبناء والزراعة، إلى المعلمين والحِرفيين. ويعمل هؤلاء جميعاً أجراء عند "الصفوة" المالكة لأكثر الثروة، بل إن الكثيرين من أفراد أسرة البشرية لم يعودوا يتوافرون حتى على ترَف العمل أجراءَ عند أحد. وإذا كان الأميركي أعلاه يقول إنه مضطر للعودة إلى منزل والدَيه حتى يعيش، فإن القاعدة عندنا هي بقاء كاهل الأبَوين مثقلاً بهموم الأولاد، مادياً وعاطفياً، بلا نهاية. وهذا في حقيقته مؤشر على أزمة أكثر من كونه تجليّاً للتلاحم الأسريّ. والآن، تعِدُ المؤشرات بحال أسوأ لأبناء البشرية جميعاً. ويعني القلق على مستقبل الأبناء أن مستقبل البشريّة نفسه أصبح في وضع حرج. وقد أصبحت بيئة الكوكب نفسها مهددة بالتدمير على يد أرباب الصناعة والأثرياء الشرهين أنفسهم، لتطبق الدائرة على الأحياء.
كانت فكرة "الأممية" دائماً يوتوبية. وقد حاولت نظريات الاشتراكية والشيوعية وضع إطار عملي يحقق الفرضيات المكتوبة، فاصطدمت بعائق بنيوي متأصل في الطبيعة البشرية فيما يبدو: الجشع وحبّ الامتلاك.  
وينجُم عن هذه الطبيعية أنّ الأفراد يفكّرون في مصلحة البشرية من خلال نظرتهم إلى مصلحتهم الخاصة. وبذلك، وجدت الرأسمالية –أي أصحاب رأس المال- أن توزيع الثروة على الناس بشيء من العدالة ليس شيئاً في مصلحة البشرية. وفي الجانب المقابل، عملت إغواءات السلطة والامتيازات على تحويل الزعماء الذين كانوا ثوريين عن معتقداتهم النظرية، بحيث تحولوا إلى دكتاتوريين عاشقين للسلطة والمال. لكنّ حِسبة العالم، بغضّ النظر عن بعدها النظري، وصلت بالناس إلى ما وصلوا إليه اليوم: 99 % من البشر يتقاسمون نفس الأنواع من العَناء.
لقد أصبح من المشروع في هذه الأوقات التحدث عن ثورة إنسانية عالميّة لتصحيح القسمة الظالمة. ونحنُ مشاركون فيها لأننا مستهدفون. ولا شك أننا نتشجع برؤية نظرائنا من مواطني العالم وهم يحتجون لنفس الأسباب، ويجرؤون على الهتاف، فنعرف أننا لسنا وحيدين. وبالقدر الذي يخصنا ويخص البشرية، ينبغي أن نركز، بكامل الصحو والإخلاص، على إنجاز مشروعنا الوطني بغية تحقيق العدالة الاجتماعية. هذه فرصتنا لرسم أفق أكثر إشراقاً لمستقبل بلدنا وأبنائنا، وللوفاء بواجبنا الوجودي تجاه الـ99 % من جماعتنا البشرية.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة