كتبت في هذه الزاوية شيئاً عن الشكّ النقدي، وقصدت به الشكّ المعرفيّ المعنيّ باعتناق الأفكار والعقائد (فقط) بعقد التأمل العميق وإعمال العقل، وليس "على البركة". وقد فهم البعض أطروحتي خطأ، وأخذوا الشكّ على معناه المُتداول، فقالوا إنّ كثرة الشكّ في الآخرين مشكلة. هذا صحيح بطبيعة الحال، لأنّ الإنسان الشكّاك، على هذا المستوى الاجتماعي، يصبح عُصابيّاً ومرعوباً من النّاس والأشياء. وفي الحقيقة، ينطوي الشكّ النقدي المعرفي أيضاً على الكثير من القلق، لكنّه قلقٌ مفيد سببه الانشغال بفهم البنى المعرفية القديمة من أجل تصحيحها، والبناء عليها ووضع معارف جديدة في العالَم. وفي العادة، يكون اليقين الناتج عن الشكّ المعرفي مُريحاً وأكثر إقناعاً.
في المقابل، يمكن التحدّث عن شكّ اجتماعي، وشكّ سياسي، مثلاً. والأعراض العامة لهذه الأنواع من الشكّ هي انعدام اليقين كصفة عامة: الشكّ في صدق نوايا المحيط الاجتماعي؛ وانعدام الثقة في صدقية مؤسسات الحكم وفي نزاهة القانون؛ والخوف من المستقبل والشكّ في إمكانية أن يحمل الأمل، وهكذا. أما التشخيص النّهائي لهذه الأعراض غير الصحيّة وأشباهها، فهو افتقاد الأمن الاجتماعي، ونشوء أزمة ثقة بين الفرد ومحيطه كله تقريباً.
على المستوى الأخلاقي والسّلوكيّ، نقول دائماً إنّ النّاس في الغرب أكثر صدقاً ووضوحاً منّا نحن العرب، وأقلّ مدعاةً للشكّ. هناك، يمكن أن تبتاع أشياءك من السّوق بلا خوف من أن يغشوك في السلعة، أو يضحكوا عليك فيتقاضوا منك سعراً أعلى من اللازم. وإذا تعاملت مع جارٍ أو صديق، فإنّك لا تخاف من أن يَغدر بك أو أنّه يستغلّك. وعلى المستوى السيّاسي، تطرح الحكومات برامج اجتماعية واقتصاديّة، ويُفترض أنها تجتهد في تطبيقها، لأن عكس ذلك سيعني عدم انتخابها أو إسقاطها في لحظة إذا لزم الأمر. وفي القانون، غالباً ما يعامل النّاس كمواطنين متساوين، حيث لا تنفع المكانة ولا الواسطة ولا العائلة في الإفلات بجريمة أو تجييرها إلى بريء. وفيما يتعلّق بالأمن الاجتماعي، هناك رعاية صحية وتعليم مجاني أو شبه مجاني، وفرصة عمل حسب الكفاءة، وليس على أساس المحسوبيّة. هناك اطمئنان اجتماعي ما.
كان ذلك صحيحاً في الغرب إلى عهد قريب، مع خروجٍ قليل على القاعدة. وكان لدينا عكس ذلك كقاعدة، فيما الثقة هي الاستثناء. لكنّ ذلك الفارق بيننا وبين مواطني الغرب أخذ يضيق مع الأزمة الاقتصاديّة الجديدة. هناك أيضاً ضعفت الثقة بين المحكومين والحاكمين، وشرعت أعراض انعدام اليقين، وغياب الأمن الاجتماعي، ومظاهر اللامساوة بالظهور على السّطح. وربما تدفع الأوضاع والأزمات الناشئة النّاس هناك إلى خيارات التّحايل والانتهازيّة كوسائل للبقاء، فتذهب أيضاً صفة الصدق الاجتماعي والثقة في المحيط الاجتماعي على المستوى السّلوكي.
هل يمكن القول بأنّ ضعف الفرصة الاقتصادية في مجتمعاتنا يعزز سمات كائن الغابة فينا؟ لا شكّ بأنّ ضيق الحال يغذي الفردية ويغري بفساد الأخلاق، بل إنّه سبب في ارتفاع مستويات الجريمة والانحلال، كما نعلم. وتُساعد ندرة الفرص ازدهار الشخصيّات "الفهلويّة" التي تحترف النّصب والغش والخداع، وتستغلّ العيوب البنيوية الكثيرة في نظامنا الاجتماعي والمؤسسي للمرور صعوداً على أكتاف الآخرين. لكنّ هناك أيضاً خللا في منظوماتنا التقليدية والأخلاقيّة التي تكره التطوّر، وتحيط نفسها بالضّوابط والمقيّدات والقداسة، وترفض الشكّ. ويلغي الخوف من التابوهات حريّة الفرد بحيث يضطرّ إلى أن لا يكون نفسه، وأن يظهر بالشكل الذي تقبله الاشتراطات الاجتماعية الفوقيّة، فيصبح مزدوجاً ومراوغاً. ثم هناك في السّياسات الكثير مما يُسهّل سرقة فرص الآخرين، أو تحريف الحقّ أو التزلّف، مما ينتج أزمة ثقة.
للمسألة مرة أخرى علاقة بالشكّ النقدي. فمشكلات الشكّ الاجتماعي والسياسي وأزمة الثقة تنجم عن استقرار البنى المتخلّفة الضاغطة، التي يُجبر الناس على افتعال اعتناقها كيقينيات، فتفقدهم اليقين. ولأنّنا لا نجرؤ على الجهر بالشكّ في هذه البنى -فتفكيكها وتغييرها، نصبح مفصومين، مزدوجين، نشك في أنفسنا وفي الآخرين. وهكذا، يسود الشكّ الرديء وفساد الأخلاق بسبب الخوف من ممارسة الشكّ الإيجابي الأساسيّ، المعنيّ باستنطاق المسلّمات، ومنها مسبّبات القلق الاجتماعي والازدواجية والسّلوك غير النزيه. إننا معنيون بتشغيل الشك النقدي، لنتخلص من الشكّ المرضي ونفضّ أزمة الثقة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة