تحولت أيام الانتخابات الطلابية في جامعاتنا إلى أيام اشتباكات، ومناسبة لعرض العنف والشوفينية بدلاً عن الديمقراطية. وبشكل عام، أصبح من الأفضل عدم ارتياد الجامعة يوم الانتخابات، خوفاً من احتمال أن يكون المرء "خسائر جانبية" للمعارك والمشاجرات داخل الحرَم الجامعي، وخارجه.
ولا ينفصل هذا الملمح الجامعيّ عن المجتمع الأوسع، بل يفترض أن تكون الجامعات "وجه الصندوق" الذي يعرض أفضل بضاعتنا الاجتماعية ونخبتها. فإذا أصبحت المشاجرات العنيفة حدَثاً مألوفاً في الجامعات، وفي أيام التعددية والانتخابات بالذات، فلا عجَب أن يكون وسط الصندوق وقاعه مريضاً بفيروس العنف الكفيل بإقعاد المجتمع. وفي نهاية المَطاف، سوفَ يكون هؤلاء الطلاب العُصبويّون جزءا من العقل الذي سيدير البلد ويشغله في المستقبل، ولا يشي هذا بخير.
لا ينبغي التعميم بطبيعة الحال، لكنّ من السذاجة التغاضي عن حجم المشاجرات الجماعيّة التي تحدُث في الأردن، حتى تكاد تكون ظاهرة. والحقيقة أن بوسع نقطة حبر صغيرة أن تُتلف قميصاً. وفي الوضع العادي، يجب أن يكون حرَم الجامعات آخر مكان يعمل فيه منطق العضلات بدل العقل، والذي تفرض فيه فئة إيقاعها على الصورة الشاملة. وكذلك حال المجتمع أيضاً.
سيلامس البحثُ في أسباب العُنف المُجتمعي حتماً مناطق حسّاسة ربّما تؤلم البعض. لكنَّه مع ذلك ضروري لتطوير آليّات المجتمع ككل. وربما يكون من الأسئلة الأساسية التي يمكن طرحها في هذا السياق: هل العَيب في السلوك الاجتماعي شأن يخصّ الأفراد أم المؤسسات؟ وهل يجب أن تسُود روح الأفراد على المؤسسة، أم ينبغي أن يُفتتنوا هُم بروح المؤسسة؟ يستدعي السؤال أولاً فكرة الاستدلال الدائري، لكن الإجابة تتصل بعلاقات القوّة، أو الجاذبية، حيث ينبغي للمغناطيس الكبير أن يجُرّ المغانط الصغيرة ولا يسمَح لها بأن تصادره. وأتصوّر أن الطالب المنجذب إلى جامعته، والذي يغمره انتماء عاطفيّ حقيقي إليها، سيمتنع عن إلقاء ورقة في ساحاتها، ناهيك عن تلويثها بالعنف وتحطيم محتوياتها. لكن حصيلة العلاقة بين الطالب والمؤسسة تبدو أنها التنافر، وليس الوحدة.
مِن خبرة الجامعات المحليّة، يُلحظ اختلالٌ أساسيٌّ في العلاقة بين الطالب والمؤسسة. فبخلاف الطلبة القلائل الذين ينخرطون في الأنشطة اللامنهجية ويقيمون نوعاً من العلاقة الشخصية مع مَرافق الجامعة، يبقى الآخرون غرباء بشكل غامض. إنّ الطالب يدخل المكاتب لمعالجة شأن وكأنّه يُراجع مخفراً (حتى الخوف من مراجعة المخفر مشكلة). وفي كثير من الأحيان، يشعر الطالِبُ بأنّه الجامعة تعامله بعداء، وكأنّ أحداً يريدُ معاقبته على شيء لا يعرفه. أما العلاقات بين الطلبة والأساتذة، فغالباً ليست تفاعليّة، وإنّما فوقيّة وتحتيّة، قائمة على الخوف والشك وتحييد الطالب! وعِندما يتخرج الطالب، تُسحب هويته وينفصم آخر رابط يربطه بالمؤسسة.
لكن الجامعة ليست المسؤول النهائيّ، فهي مجموع طلبتها الذين يؤثر حاصلُ جمع شخصيتهم في شخصيتها. وهي أيضاً مجموع شخصيات موظفيها الذين تعلموا في بيئات من نفس النوع. وبذلك، يترتب على الجامعة أن تعالج الخلل المدرسي والاجتماعي في بنية الشخصية. وفوق ذلك، وإذا كان الطالب قد دخل الجامعة لأنّ انتماءً آخر إلى غيرها وضعه فيها، فإن الأولى به أن يحتفظ بولائه الأول، ويدافع عنه. وتعمل الأبواب الكثيرة الجانبية في أسوار الجامعات على غمرها بنوعيّة من العقول الأقل ميلاً إلى الأكاديمية والمرونة، على حساب نوعية أكثر كفاءة واحتمالاً لمفاوضة المعرفة، حُرمت الفرصة.
إنك إذا ذهبتَ إلى مكان مؤسسيّ وراسخ، فإنّك ستلتزم قطعاً بقوانينه لأنّه أقوى منك، كمؤسسة، وقادر على احتوائك. وهناك، لن تقطع الإشارة حمراء، حتّى من دون وجود رقيب سير. هُناك ستحتويك عَظَمة المؤسسة ووثوقها. وتنطبق هذه الصورة المصغرة بالتأكيد على العلاقة بين المواطن والمجتمع، والدولة. إنّ أي مجتمع هو في النهاية مجموع أفراد، وستكون له هويّة وشخصيّة جمعية إيجابية، بقدر ما يكون مركزه، كمؤسسة، إيجابياً وهائل الجاذبية. والشخصيّة الجذابة هي مزيج محسوب بعناية من المرونة والهيبة. إنّها تُغويك بأنْ تُحبّها، وبأن تتنازل لصالحها، وأن تحترمها بلا خوف. ينبغي الحرص على الأسباب التي لا تُفقد مؤسسة المجتمع طاقتها وجاذبيتها، وإلا أصبحت مناطق فوضوية فالتة، تتصرف بدفع الغريزة ومنطق العضلات، فحسب.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة