لا يَفهمُني أحدٌ خطأ: لا أقصد أنّنا أمّة فاقدة الهمّة، تحتاج إلى قنبلة نوويّة تبيدنا فتريحنا وتريح العالم منا، كما يقول بعضنا أحياناً من شدة القهر. على العكس، أريد أن أستغلّ فترة المدّ وانتفاضة الكرامة لأرفع سقف المطالِب. وبكلّ جديّة: إنّنا نحتاج، من أجل بقائنا، لأن يكون لنا الحقّ في امتلاك قنبلة نووية؛ أو أن لا يكون لأحد آخر احتكار التمتع بهذا الحقّ دون سواه. ولا أظنّ أن هناك تجنيّاً على العدالة في هذا المطلب.
أعرف بالطبع عدم واقعيّة الحديث عن قنبلة نوويّة في الأردن. وأعرف أنّنا نجد عنتاً في تحصيل رغيف الخبز، فلماذا الانشغال بالوهم؟ لكنّ لرغيف الخبز علاقة بالقنبلة النووية؛ فقد جعلت الآليّات العالميّة من امتلاك الدولة قنبلة نووية، شرطاً ضرورياً لشراء الإحساس بالثقة، والكرامة الوطنية والشخصية، والتخلص من أغلال الخوف من الآخرين، وأخيراً إمكانيّة إدارة قرارك بحريّة، ومنه زراعة أرضك قمحاً إذا أردت، من دون إجبار الآخر لك على شراء قمحه وخبزه. ومن حيث الأساس، من المهين أن يكون حق امتلاك أيّ شيء في العالم حراما عليك، حلالا لغيرك. لكنّ القوّة وحدها هي التي تحدّد اليوم معيار الصواب والخطأ في العالم الذي يزعم الحداثة، ولن يعتبرك الآخرون محقّاً، ولن يعترفوا لك بأي حقّ بالمَسكنَة والتسوّل. إنهم سيحترمونك فقط، إذا كنت غير قابل للاستباحة، وقادراً على تسييج حيّز تتحرك فيه إرادتك بحريّة، ويمنحك الهَيبة.
بمنطق القوّة نفسه، خصت الأممُ الخارجة من الحسبة نفسها بأشياء، كلّها شرٌّ ووبال على غيرها، الحق في استعمار الأمم الأخرى والوصاية عليها؛ وإحباط قدرة العالَم وشعوبه على إنفاذ ما يراه عادلاً ونقضه بإشارة باليد (الفيتو)؛ بل وحتّى كتابة شخص واحد سند تمليك لشيء لا يمتلكه بكلفة نقطة من الحبر (وعد بلفور)، فيلقي بشعب كامل إلى العراء والقتل والنفي؛ ولا تنتهي قائمة الاحتكارات بحقّ امتلاك أسلحة الدمار الشامل وتوظيفها لاستعباد الآخرين وتدمير طاقاتهم وتدجينهم. أمّا نحن، فلا يحقّ لنا حتى الحديث عن حقّ استعمال الطاقة النووية سلميّاً لتوفير مياهنا والطاقة التي نحتاجها. ولابدّ لنا إذا فكرنا في ذلك من تطمين الجميع، وتقبيل أيدي الجميع، وأخذ موافقة الجميع، والسّماح للعدو قبل الصديق بدخول بيتنا ونبش الجوارير في غرف نومنا.
النّاس الأشطر منّ العرب والأقلّ خيانة للذات، يشتغلون على هذه المسألة في السرّ، ويُدارون على شموعهم حتى لا تنطفئ. ويُمكن أن نتصوّر وضع باكستان، مثلاً، لو أنها ظلت من دون قنبلة بجوار جارتها العملاقة، الهند. ولماذا نبتعد؟ لنُشاهد حالنا نحن العرب، كيف أصبحت رقابنا مطوقة بخيط طرفه في يد جارنا العدواني الاحتلالي الضئيل، الذي يتهدّد علينا ويستأسد بقنابله النووية! بماذا يستقوي هؤلاء في التحصيل الأخير سوى التهديد بإبادتنا نووياً، وبضعف دفاعاتنا الخاصة وإفلاس ترساناتنا من وسائل الردع المادية والمعنوية؟
أظنّ أنّنا آخر من يريد قنبلة نوويّة، في الأردنّ أو في أيّ مكان آخر من العالم. ومطلبنا الإنسانيّ والأخلاقي الأكيد هو أن تخلو منطقتنا والعالم من هذا التهديد الوحشي الموجه للوجود البشري جميعاً. لكنّه إذا كان هناك مَن يُعطى الحقّ في امتلاك هذا العفريت، حتى على حدودنا نفسها، ويستخدمه لإبقائنا داجنين ومرتعبين، فإنّنا نريد مثل غيرنا أن نمتلك الحقّ نفسه، ونكون أحراراً بعد ذلك في استخدامه أو لا. وإذا كان الجميع يتحدّثون عن الطاقة النووية السّلمية كأحد البدائل لمصادر الطاقة التقليدية المُكلفة والآخذة في النفاد، فيجب أن يكون لنا الحقّ أولاً في تأمل هذا الخيار، ولا بأس بعد ذلك في أن نقيم حوارنا الداخلي الخاصّ باتجاه الذهاب في هذه الوجهة أو نبذها كليّة.
ما قصدته من العنوان أعلاه هو الفكرة. إننا لا ينبغي أن نعتذر دائماً، حتى عن مجرد مطالبتنا بأن نكون مثل الآخرين. وليس الموضوع متعلقاً بالقنبلة النوويّة بالذات، وإنّما بمبدأ المطالبة بالحق، أيّ حق مثلنا مثل الآخرين، لأنه لن يضيع حق إذا كان وراءه مُطالب. هذه فكرة ثورات العرب وإصلاح حالهم، فيما أحسب، وإلا فإنهم سيحتاجون إلى قنبلة نووية، على طريقة اليائسين!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة