بعد كل هذا الوقت منذ تقسيم فلسطين العام 1947، أول ما يخطر للفلسطيني هو تأمّل المسارات: ما الذي حصل، وإلى أين أفضى؟ وعلى الرغم من المرتفعات والمنحدرات شديدة الوعورة التي ضربَت فيها الحكاية الفلسطينية، ظلت هيأتها العامّة هيأة أزمة، وصبغت تجربة أصحابِها وورثتها بشيء قَدريّ مُحيّر، ورديء. وقد خطر لي مباشرة وأنا أتصدى للكتابة في هذه الذكرى، نصٌّ عبقري لم ألقَ أجزلَ منه وأوفى في وصف حالة الفلسطيني طوال هذه السنين، أقتبسُ منه جزءاً:
كتب إميل حبيبي: "كتب إليّ سعيد أبو النّحس المُتشائل، قال: جاءت النهاية حين استيقظت في ليلةٍ بلا نهاية. فلم أجدني في فراشي. فزارتني البَرديَة. فمَددت لها يدي أبحث عن سترة، فإذا بها تقبض ريحا. "رأيتني جالساً على أرض صفاح. باردةٍ مستديرة، لا يزيد قُطرها على ذراع. وكانت الريح صَرصراً والأرض قَرقراً. وقد تدلّت ساقاي فوق هوة بلا قرار كما تدلّى الليفُ في الخريف. فرغبت في أن أريح ظهري. فإذا بالهوة من ورائي كما هي الهوة من أمامي وتحيط بي الهوة من كلّ جانب. فإذا تحركْت هويت. فأيقنتُ أنّي جالسٌ على رأس خازوق بلا رأس".
لو جاز لي، لاكتفيت بهذا النصّ الذي يعجزني أن أجاري بلاغته. لكنّني أواصل، حتّى لا أخرج على الأصول، فيحذفوني من الصّفحة. وأتخيل أنّ هذا كان حال أبي، يوم استيقظ صبيحة النّكبة بنت التقسيم، فوجد نفسه مطروداً في زيارة البرديّة، معلقاً في هذا الوضع الغريب، قابضاً على ريح. ثمّ أتأمل كيف هبط اضطرارياً بعد عقود من سجنه المعلّق، وغسّلوه، ووضعوا في كفّه بدل الريح قبضة من تراب المنفى. وأستكشفُ التشابهات بين أفراد عشيرة "المُتشائل" التي أصبحت الآن كبيرة، وتوزّعت خوازيقها الانفرادية على الأربع جهات.
الصفة التي يتشاركها أجداد عشيرة المتشائل، وأورثوها لأبي النحس، هي المشي دائماً وهم ينظرون تحت أقدامهم، مفتشين عن الكنوز المطمورة. ولذلك، قضوا جميعاً بسبب هذه العادة. والمشكلة الثانية، هي أن سعيداً وجد نفسه، في دولة الاحتلال، على خازوق بلا رأس، لم ينفذ من الرأس فينهي الحكاية. جاء مفصّلاً هكذا بقصد، دائرة ضيقة كافيةً لجلوس قلق بين السّماء والأرض. طريقةً فضائيّةً في التعذيب. والتفكير المتاح فيها أيضاً ضائع بين الكابوس والصحو، على طريقة الفلسفة الشكّاكة: تخيّل أنّ كل ما تعيشُه وتراه هو حلُم، وأنّك ستستيقظ في لحظة، فتكتشف أنّ كلّ هذه الخبرة، هذه الحياة، كانت مجرّد حلُم، وأنّك عدتَ الآن إلى الحقيقة فحسب!
ومع شدة رُعبه، لم يغامر سعيد بمحاولة النّزول عن الخازوق. تحسسّ بداية ما تحته بقدميه، فوجدَ عموداً أملس مثل جلد الثعبان، وظنّ أنه لن يستطيع أن يتشبث به، فيقع، فيتوجّع ويموت. وهكذا عاش على فكرة أن هذا الوجود على الخازوق وهمٌ وكابوس سيستيقظ منه صباحاً. كان في الحقيقة طباقاً كاملاً لاسمه المُلتبس، المنحوت من المُتعارضات: السعادة، والنحس، والتشاؤم، والتفاؤل.
من أصعب الأشياء، وأكثرها ضرورة حين يطبق الكابوس على الصدر، ويحشر فريسته في زنزانته المرعبة بين الصحو والنوم، أن ينتزع المقبوض نفسه فينهض، ويمشي إلى الصّنبور ليغسل الخوف بالماء. هذه هي الطريقة الصعبة. وإذا غلَب نجم السعادة في اسمه، فسيكون هناك أحدٌ مستيقظ، يتذكره هذه اللحظة، فيوقظه. وإذا فاز النّحس، كان الجميع نائمين، وتركوه للكابوس.
في الحالة الفلسطينية الآن، لا أحد يوقظ أحداً. البعض معجبون جداً بالعلوّ، حتى على الخازوق الذي ضاقت مساحته واستدقّ، ويعظون الأكثرية بعبث التزحلق نزولاً واستكشاف الاحتمالات الأخرى غير التوجع والموت. وبعناد قبَلي، لا يتنازل أحد من نسل المتشائلين عن نسبه، وعن عادة البحث تحت الأقدام. والآن، 64 عاماً بعد التقسيم، وبعد أن تقزّمت حصتنا من القسمة، هل نحن متشائمون أم متفائلون؟ (قال سعيد: "خذني أنا مثلاً، فإنني لا أميز التشاؤم عن التفاؤل. فأسأل نفسي: من أنا؟ أمتشائم أنا أم متفائل؟ أقوم في الصباح من نومي فأحمد الله على أنه لم يقبضني في المنام. فإذا أصابني مكروه في يومي أحمده على أن الأكره منه لم يقع، فأيهما أنا: أمتشائم أنا أم متفائل؟!").
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة