كتبت لي سيدة غربية تقول: "انضممت إلى موقع اجتماعي على الإنترنت، وحاولت التواصل مع بعض العرب لتحسين لغتي العربية، وخاصة من الأردن الذي زرته وأحببته. لكنّ الذين تواصلت معهم كانوا في معظمهم "غير مهذبين"، وقد رأيت حين زرتُ بلدكم أن كثيرين كانوا يتحرشون بي (لأني أجنبية وليس لأني جميلة) -حتى سائق التاكسي. أرجو أن تكتب عن الموضوع" فكتبتُ لها معتذراً. وقلت إنّ الغرب هو الذي يعطي الفكرة بأن نساءه "سهلات" في الأفلام وغيرها، وأن هناك في بلادها من يتحرّشون. وتذكّرت سائِحَين ألمانيين عَجوزََين (رجلاً وزوجته) كنت قد تعرفت إليهما قبل سنوات، قالا أنهما ملآ خزان سيارتهما السياحية من محطة للوقود في غرب عمان، وعادا إلى فندقهما في الشميساني، ليجدا أن الوقود قد نفد. يعني أنّ عامل الكازيّة سرقهما. لماذا؟!
لم أقل للسيدة الغربية إنّ السيدات هُنا أيضاً يتعرضن للتحرش في الشوارع والمواصلات، وإنّ البعض يسرقون مواطنيهم؛ بل ويحاولون قتلهم في المشاجرات الجماعية التي تحولت إلى ظاهرة. ولم أقل لها إنّ البعض يقتلون بناتهم وأخواتهم بـ"الشبهة"، أو لوشاية غير مؤكدة، بينما يعطي الذكور أنفسهم حقّ التعرّف إلى بنات الآخرين، باعتبار ذلك حقّاً طبيعيّاً. ولم أحدثها عن الازدواجية الغريبة في الشخصية التي تفكر بشيء، وتفصح عن آخر. لم أقل ذلك وغيره، غيرةً على الثقافة التي أنتمي إليها، وخشية أن أمارسَ عليها دور "المستشرق" أمام شخص ينتمي إلى ثقافة الاستشراق.
لا أقصد بأيّ حال صناعة تعميمات وتصويرات سلبيّة عن مجتمعنا على طريقة المستشرقين. لكنّ الظواهر التي ذكرت بعضها موجودة وملحوظة، والحديث بيننا. ومن يقول بغير ذلك يدفن رأسه في الرّمل. وقد ناضل مناوئو الاستشراق، مثل المفكر إدوارد سعيد وغيره، في محاولة للدفع ضدّ المقولات الاستشراقية. وقالوا إنّ الشرق ليس شهويّاً، ولا حسّياً، ولا مؤنّثاً، ولا دونيّا، ولا سلبيّاً، وليس من الأطراف على هامش المركز الغربي. فإلى أيّ حدّ تعمل مجتمعاتنا على تأكيد هذه الدُّفوع؟ وهل يستلزم التمايز عن الغرب التناقُض معه على طول الخطّ، وعدم التشارك معه في الإيجابي من سمات الشخصية الاجتماعية، في وقت نستورد منه فيه معظم سبل عيشنا الماديّة؟
في المَشهد الكلّي المتغيّر هنا، تبدو التبعيّة والدونية وأنهما تتسيّدان المشهد ثانية، حتى في عزّ "الربيع". ويجري إقحام الغرب الفوقيّ ثانية في شأننا الخالص، إما باستشارته والاسترشاد بتعليماته من جهة الرسميين العرب؛ أو بسعي المُعارضات المُهاجرة إلى نيل مباركته ومبايعته بأمل العودة إلى أوطانها "المحرّرة" على دباباته. ومرة أخرى يجري حرْفُ مسيرَة الشعوب عن طريق الديمقراطية والتحرُّر وامتلاك أقدارها، وتتكالب مختلف أنواع الوصايات على إرادة الشعوب. وبشكل ما، يعاود الشرق لَطمَ نفسه.
عندما كان الشرق هو المركز، شكّل النقيض الإيجابي للغرب الظلامي. وتمركز العالم هنا حينذاك لأسباب موضوعية: كانت منطقتنا موئل إنتاج المعرفة العمليّة، والتنوير، وفلسفة الأخلاق والحياة، والعلم والإشعاع الحضاري. ولا بدّ أن تكون تلك الريادة قد واكبت مجتمعاً منفتحاً وعقلاً جدلياً وابتكارياً بكلّ المقاييس. أمّا الصورة السكونيّة التي تُرسم لذلك المجتمع الناهض المتحرك، والتي يجري الترويج للعودة إليها الآن، فتتناقضُ مع المنطق مباشرة.
لا شكّ بأن الغرب قد اشتغل، منذ بدء الإمبريالية وحتّى الآن، على تكريس العلامات الاستشراقيّة السلبيّة التي صنعها للشرق، واشتغل على غرس عقدة الدونيّة في نفسيّتنا، مستغلاً تفوقه وهيمنته وأدواته. لكنّ مبدأ مقاومة الاستعمار والتحرُّر، سيفقد معناه من دون تحرير عقلنا الجمعي وسلوكنا من هذه الاتجاهات السامّة. وينبغي البحث عن المسبّبات التي تبرزُ صفات الشهوانية والجنسوية والعنف والتبعيّة والسلبية الفكرية والمعرفية في واقع الشرق، والاجتهاد في معالجة هذه الأسباب البنوية، بدءا من إصلاح التربية والتعليم، وانتهاءً باستعادة الصلات الحميمة بين الجمهور ومشارب التثقيف والفكر وتحريض العقل. أما إذا حَدثَ، على الصُّعد المحلية والإقليمية، أن أعيد إنتاج الواقع الاجتماعي والعقل السائد بتغيير الشكل دون الجوهر، فإنّ الشّرق هو الذي سيستشرق نفسه ويخذلها نيابة عن الآخر. وسيكرّس عنْ نفسه نفس الانطباعات التي يكرهها في نفسه؛ وسيوفر بنفسه الشروط التي تحبطه وتتركه نهباً لهيمنة الآخر.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة