عفواً، لست أنا الذي يقدم امتحان التوجيهي، لكن عندي "توجيهي" فعلاً وكأني أقدمه، لأنّ ابنتي تقدم هذا الامتحان. وقد فكرت بالاعتذار عن كتابة مقالي هذا في موعده بعد أن تلقيت لوماً شديداً من "وزارة الداخلية" على عدم ذهابي لانتظار ابنتي عند باب قاعة الامتحان ودعمها هناك. وقالت أم العيال التي تنوب عني في هذه المهمة، إن عشرات السيّارات تتزاحم على باب المدرسة، وفيها الكثير من الآباء الغائبين عن أعمالهم، والأمهات، بل الأعمام والأخوال أحياناً، فلماذا أنا غير مهتم ولا أتغيب عن عملي؟! وقد شعرت بالذنب لتقصيري في "الدعم"، وفكرت فعلاً في الاعتذار عن العمل –وكتابة المقال- والذهاب إلى هناك حتى أكون أباً صالحاً.
وقبل ذلك، كان الاعتذار حاضراً منذ بداية العام عن عدم استقبال الذين يفكرون في زيارتنا أو في دعوتنا لزيارتهم، بالعبارة التي لا تُناقش: "أعذرونا.. عندنا توجيهي". ولا حاجة للحديث عن تغيُّر عادات المنزل وعلاقات ساكنيه، زيادة على تبريد الصلات الاجتماعية عاماً أو جُلّه. وكلّما اقترحتُ أن هذا غير لازم، وأنّ الطالب يجب أن يمرّ بهذه السنة الدراسية مروراً اعتيادياً بلا توتّر ولا نحيب، جاء الاقتراح الأكثر واقعية بأنّ هذه سنة "تقرير مصير"، تجُبُّ ما بعدها وتؤسس لما بعدها، فكيف لا تقف العائلات على أصابع الأقدام عند أبواب المدارس، ولا تقوم الاشتباكات المسلحة بين الأهالي وقوات الأمن؟
نعم.. إن التوجيهي لا "يوجهك" -بمعنى أن يدلك على الوجهة- وإنّما يفرض عليك وجهة ربّما لم ترغبها وتضطر إلى العيش معها غصباً طوال عمرك. وكَم من طالب حلُم بأن يصبحَ مهندساً معمارياً، فأرغمه التوجيهي على أن يصبح مؤرخاً رديئاً؛ وآخر عشق الكيمياء، فجعله مجموعه في الثانوية مدرّس جغرافيا يكره الخرائط. ودائماً هناك الاستنطاق المشروع لعدالة التوجيهي: ماذا لو تفوَّقت طوال سنواتك المدرسيّة، ثمّ كبوتَ لسبب ما في هذه السنة "المصيرية"؟ ولماذا تحرمك علامة اللغة العربية من التخصص في الرياضيات؟ وبعد كلّ شيء، ما الجدوى من جَلد أبنائنا وحثهم إذا كان مجموع 90 % لا يكفل قبولاً جامعياً في تخصص عادي، ويؤهل صاحبه للدراسة فقط في التعليم الموازي أو الجامعات الخاصة مع صاحب مجموع 65 % وبنفس الكلفة؟!
بهكذا معطيات، لا عجب أن تنقلب على رأسِها حياة البيوت التي يحتلُّها التوجيهي بظله الثقيل، وأن تعتذر عن الحياة الطبيعية خلال زيارته المتعبة. ولا مناص أيضاً من تكريس هذه الخبرة مع "تقرير المصير" العجيب طبعاً ثقافياً غالباً. أفَلا توجد في العالم المتحضر أيّ بدائل تصلح ليصبح هذا الشأن أكثر عادية وجدوى؟ وهل أنجزت التغييرات التي أبدعناها في متعلقات التوجيهي وآلياته إلى الآن أيّ فارق لتحسين التعليم، فوضع الأردن، وتخليص النّاس من خبرة نخس الإبر الإجبارية بهذه الطريقة؟
للمسألة علاقة بالناس، وبالعقل الذي يخطط للتعليم. يجب علينا التخلص من الفكرة التي تجاوزها الزمن، والقائلة بأن قيمة الناس تتحدد بشكل هرمي قدَري حسب المهنة: طبيب، مهندس، صيدلاني، محام.. إلخ. وأعتقد أن ذلك جاء من زمن كان فيه الطبيب والمهندس ينطلقان طائرَين في الطريق السريع إلى الثروة. لكنّ المعطيات تغيّرت وما تغيّر الهاجس. وأذكر في هذا الشأن صديقاً درس الطب، ثم تخصص، ثم ذهب لتحصيل "البورد" في أميركا ليصل أول الثلاثينيات قبل أن يكسب قرشاًّ؛ في حين درس آخر التكييف والتبريد سنتين بعد الإعدادية فتفوق، وذهب إلى الخليج صغيراً وأسس عائلة في وقت قصير. ثمّ، كيف لا نحفلُ بالإنسانيّات ونعتبرها معرفة فائضة ولا تستحقّ المكافأة أو العناء؟!
والأهم: لا بد أن تعود أسس القبول في الجامعات منطقية ومعقولة وطبيعية، فحسب. ولا يتسع المقام لشرح معايير القبول المجرَّبة التي تمكن استعارتها من الدول المتقدمة. وثمة وسائل كثيرة لتقريب الطلبة من الاختصاص فيما يتقنون، وللاشتغال على صناعة ثقافة تعيد الاعتبار لكلّ المهن اللازمة جميعاً وتجعلها محترمة اجتماعياً ومجزية لأصحابها. ينبغي أن يحترم العقل المخطط جدية التعليم وخطورة العبث به، ويكفّ على الخلط بين المصلحة العرَضية والاستراتيجية، ويجعل كفاءة المنتج أول وآخر المعايير. وأختم بالاعتذار إذا شابت كتابتي عصبية، فعندي توجيهي!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة