راوغَنا الثلجُ أمس. لعب بنا بدل أن نلعب به، فغيّر مساره وتركنا في الانتظار مع البرد والضباب. ومع ذلك، شغلنا هاجس "الزائر الأبيض"، وهيأنا له غرف جلوسنا وشموعنا.
هنا، نحبّ الخاطر الذي يصحبُ حضور الثلج الفاتن في هذه الأرض الصحراويّة. ويساورني اشتباه بأنّ الشعراء وفقراء المخيلة يستحضرون جميعاً للثلج صورة متشابهة الإطار، ولو اختلف ترتيب أشيائها: كوخٌ خشبيّ متوحد في غابة قَصيّة، مؤثثٌ بكثافة، ومدفّأ بموقدة حطب حجرية تئز فيها ألسنة نار متعانقة، وراء واجهة زجاجية عريضة. وفي الخارج، في الفضاء المفتوح على الخلفية الخضراء، تهوّم ندف الثلج هابطة مثل سرب هائل من الفراشات، وتحطّ متعاقبة على "الأفاريز" وأكتاف الأشجار المرتعشة في الباحة، وتلفّ العالَم بالبياض. وإلى هذا المُعتزَل المسرف في الدعة، يستضيف المرء الرفيق الذي يفضله، والشراب الذي يفضله، ويطرُد الشواغل والمواعيد.
النّاس هنا يحبّون الثلج لأنّه طارئ وخفيف الظلّ وغريبٌ، لا ينتمي إلى هنا. ولا بدّ أن ساكن الكوخ المتوحد في الغابة القصيّة المغمورة دائماً بالثلج يحلُم بهُنا، ببيت حجري في مدينة دافئة تستحم بالشمس. ثم، أيّ شيء أسوأ من أن تحاصرك عاصفة ثلجيّة وتعلق قدماك أو عجلات مركبتك في طريق خارجيّ؟ لكنّ ثلجنا يُخادع قليلاً سلطة الجغرافيا فقط، وينقلنا إلى غابة أوروبية بلا أشجار ودعة مصنّعة. ويصنع وحدة ظاهريّة بين المتنافرات التي تخفي حقائقها الملونة وتكتسي كلها بثوب الصلاة.
من أجمل ما قرأت عن الثلج، قصيدة روبرت فروست "الوقوف في الغابات في ليلة مُثلجة": "أظنني أعرفهُ، صاحبَ هذه الغابات. لكنّ منزله هناك، في القرية. ولن يراني أقف هنا، وأرقبَ غاباته وهي يملؤها الثلج/ حصاني الصغير يستغرب حتماً وقوفنا الغريب ههُنا، ولا بيت مزرعةٍ في الجوار، بين الغابات والبحيرة المتجمدة/ يهزُّ أجراسه مرّةً، ليسأل إن كان ثمَّ خطأ، ولا صوت آخر غير حفيف الريح الناعمة والنُّدف الزّغَبيّة/ الغابات جميلة، معتمة، وعميقة/ لكنّ لديّ وعوداً لأفي بها، وأميالاً لأقطعها قبل أن أنام/ أميالاً لأقطعها قبل أن أنام"!
ثمّة في الهدأة الليلية المتلفعة بالثلج البريّ ما يغري العابرَ بأنْ يستقرّ هُناك، ويستجيب لرغبة الاندغام في الطبيعة الخلوّ من المشاغل. لكنّ الرّكون إلى الهدوء المغوي يثير عجب الحصان، وربّما صاحب الغابات لو علم. بل إنّ العابر نفسه، المتردد في الوقوف، يهرب من إغواء البقاء باستدعاء الباعث العملي الذي يكفل استمرار الحياة: لمّا يحن وقت النوم بعد؛ ثمة شيء للحياة في ذمته، وأمياله الباقية ليقطعها قبل أن ينام. لكن الثلج هنا هو الذي يتوقف لدينا وقوفاً عابراً متردداً، ويوقفنا قليلاً معه قبل أن يغادر سريعاً ليكمل رحلته الأبدية، ويعيدنا نحنُ إلى شؤوننا مع وعودنا ورحلتنا التي نحاول أن نطيلها قبل أن ننام.
في الشّعر العربي، يتعاملون أكثر مع البرَد، أو "حَبّ العزيز". ربّما اشتقّ الاسم من عزيز مصر في قصّة يوسف النبيّ. ومن سوء حظّ اللغة أن شعرنا الجاهلي لم يصادف الثلج أثناء تجواله في رمال الجزيرة الصفراء، فلم يسجّل هيئة اللقاء المستحيل في ديوان العرب. لكنّ المتنبي الشامي كتب عن البَرَد: "وبسَمنَ عَن بَرَدٍ خشيتُ أذيبُهُ/ مِن حَرّ أنفاسي، فكنتُ الذائِبا". وابن حمديس الأندلسي في بلاد المطر والثلج، سحرته استدارة البَرد أيضاً، فسجّل: "نَثَر الجَوُّ على الأرضِ برَدْ/ أيُّ دُرٍّ لِنُحورٍ لَو جَمَد.. لُؤلؤٌ أصدافُه السُّحبُ التي/ أنجَزَ البارقُ مِنها ما وَعَدْ".
شُعراء رائقون، في زمن رائق، يبحثون في الخارج عن تأثيث الداخل. وفي الحالين، نون النسوة تدفء المكان. لكننا نكتهل باكراً ويخاتلنا الشعر. لكنني وجدت في دفتري القديم هذا اللعب مع الثلج وتاءات التأنيث: "يذكّرني الثّلجُ بالحبّ بالذّاتِ، تهبطُ في قُطنهِ الذّكرياتُ، خفيفاتُ، مثلَ الدخانِ الذي يتسرّبُ من شُرفاتِ حياتي، ويصعدُ أبيضَ، أبيضَ، حدَّ البياضِ الذي باتَ يحتلُّ رأسي.../ وتأتي مع الثلجِ كلُّ النساء اللواتي عشِقتُ -وغادرنَ، يوقظنَ روحي التي أغرَقتْ في السُّباتِ، ويضفرنَ طَوقاً من الوَرقات اللواتي تساقطنَ من شجراتِ حياتي التي لَونُها صارَ أصفَر، أصفرَ حد الصّفار الذي باتَ يملأ نفسي، فأدرك أنّي اكتهلتُ، وأني ترّجلتُ عن فرس الرَّغباتِ"!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة