إذا كان لديك استثمار أساسيّ يقيم أودك، ويُكسبك خبزك، واحتاج إلى التأثيث وإعادة التأهيل حتى يستمر في الإنتاج، فليس من المفهوم أن تبيعه لتتخلص من هذه الاستحقاقات. ولا ينبغي أن تسمح لمصدر رزقك بأن يتآكل، وتضنّ على مستخدميك وتنفّر زبائنك، وأنت تعتقد أنك توفّر. ربّما تتخفّف من المصاريف لحظة وترحّل أزمتك، لكنّك ستندم عندما يسوء حالك وتجف مصادر دخلك، وتضطر يوماً إلى إعادة إحياء مشروعك من الأول.
هكذا أتصوّر ببساطة ما حصل لقطاع التعليم المدرسي في الأردن. فما صدّق القائمون على هذا القطاع أن ظهر "التعليم الخاص"، حتى باعوا معظم استثمار الأردن الحيوي، وأهملوا البنية التحتية للمدارس الحكومية –مشغل صناعة الإنسان الأردني- واضطهدوا المعلمين، وجعلوا المدارس العامة بيئة طاردة تنفر الطلبة. ولا عجب، إذ لا يبدو أن أحداً ممن فعلوا ذلك آمن بأن التعليم هو استثماره الخاص الذي يعود على جيبه بمردود مباشر يحمله إلى بيته، فيغار عليه. أمّا الخاسر، فالبلد كله من أعلاه إلى أسفله إلى أدناه فأقصاه.
لا أتصوّر أن هناك من هو ضد التعليم الخاص في حد ذاته، كما أنّه لا يجب تحميل المسؤولية عن مخرجات التعليم الرديئة الآن –بإجماع الآراء- عليه. لكنّ التعليم الخاص ينبغي أن يكون متاحاً كبديل فحسب. وينبغي أن يكون معروضه من الخدمة نوعياً جدّاً بحيث يحصل منه القادر على شراء الخدمة على سلعة مميزة. أمّا الحاصل الآن، فإنّ هناك مدارس خاصة أكثر من مدارس الحكومة، لأنّ الغنيّ والفقير يفزعون إليه هرباً من التعليم الحكومي الذي اكتسب سمعة سيئة، للأسف! وبالإضافة إلى هذا العبء الجديد على كواهل المواطنين، يخلص كثير من أصحاب مصلحة التعليم الخاص –في غياب منافسة مدارس الحكومة- إلى مبدأ التجارة بتحقيق أقصى الربح، فيحمّلون المواطن كلفة غلاء المعيشة وارتفاع الكلف، فيرفعون عليه الأسعار.
لا أعرف كيف يتردد الساسة في رفع الدعم عن الخبز والوقود، باعتبار ذلك مساساً بضروريات المواطن، لكنهم يرفعون الدعم عن التعليم بخصخصته بطريقة التفافية، بحيث يبدو ذلك خيار الناس. وفي المقابل، لا يُفهم كيف يحتجُّ الناس على رفع الدعم عن خبزهم ولا يحتجون على سوء خدمة تعليم أبنائهم مع غلائها المفرط، وكأنّ التعليم ليس كالخبز وأعزّ بالنسبة للأردنيين. وكم تجوع أُسر وتختصر خبزها –حرفياً- من أجل تعليم أبنائها إذا لزم الأمر، لأنّها تعرف أنّه الضمانة الوحيدة لأمن هؤلاء الأبناء في بلد لا يمتلك نفطاً يوزع جزءاً من ريعه على مواطنيه.
الآن، والجميع يتحدّثون عن الإصلاح السياسي والاقتصادي، لا بدّ من إعادة هذا الموضوع الاستراتيجي إلى الواجهة. إنك لا تستطيع أن تتحدّث عن إنتاج اقتصادي بلا عقول مؤهلة للابتكار والإبداع والإدارة. ولا تستطيع أن تأمل بانخراط شعبي في الفعل السياسي من شباب سيئي الثقافة وبائسي التعليم. بل إنك لا يمكن أن تتفاءل بحكم رشيد متنور إذا كان الذين سيديرون البلد ويخططون له مستقبلاً لا يعرفون الفارق بين حرف الياء والبطّة. ولا يختلف اثنان على أنّ الإنسان الأردنيّ هو الثروة الأساسية هنا، والتي يمكن أن تغني هذا البلد أو تُفقره بقدر ما يكون لديه مما يقدّمه وينافس به من التميّز والتأهيل الرفيع. ينبغي البدء أولاً بالاعتراف بأحقيّة التعليم بالدعم كسلعة أساسيّة للمواطن مثل الخبز، واستثمار استراتيجي للدولة في غياب الموارد المادية. ويقتضي ذلك التفكير بعرض التعليم الحكومي المجاني أو شبه المجاني على المواطنين، بنوعيّة جيدة ومجدية، حتى تستعيد سمعة الأردن عافيتها في هذا القطاع الذي طالما جلب للبلد الدخل من العمالة المتعلمة المغتربة.
ينبغي إعادة الاعتبار للمعلم ومهنته، لأنه هو الذي يعدّ الطبيب والعالِم والوزير، ويجب حفزه بما بنبغي على العودة إلى العمل لدى الدولة. ويجب الاهتمام بمدارس الأطراف، تماماً مثل مدارس الحواضر، والإقرار بأن العدالة في فرص التعليم الجيد بكلفة معقولة هي حقّ لكل الأردنيين، بلا تمييز.
ينبغي تطوير المناهج بحيث تركز على التفكير النقدي والتحليلي وليس الاستظهار وتسكين العقل. وقبل كل شيء، ينبغي العمل بجدية على استعادة مِلكية التعليم للأردن والأردنيين –لأن عاقلاً لا يبيع رداءه الوحيد.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة