قلّما تستطيع الدّراما التلفزيونية أن تستدرّ عاطفة قويّة لدى مَن تعوّدت قلوبهم على دراميّة الحياة. لكنّ الغُربة تظلّ دائماً خبرة مفجعة، لا علاقة لها بالرومانسية. إنها تجربة تتصل أكثر بالنشوء والارتقاء الضروريين للحياة، بفكرة تكيّف الكائن مع محيط معاكس يستغرب وجود الطارئين عليه بنفس الحدّة، ويرفضهم كما يرفض الجسم الحيّ العضو الغريب المزروع فيه.
ترصد الدراما التلفزيونية التي عرضتها فضائية عربية تجربة المغتربين العرب في مدينة أوروبية. وكما ينبغي، تسجل الحكاية احتدام الصراعات بين ثقافة الأصل الراسخة والثقافة الجديدة المهيمنة. وفي القصة رجال أعمال يحاولون التعامل مع تنافسيّة السوق التي بلا قلب؛ وأناس يعيدون ترتيب مفاهيم العلاقات الزوجية، وسلطة الأسرة، والعلاقات العاطفية بين العرب المهاجرين والأوروبيين الأصليين. وفي كل ذلك، حالة من الأزمة الدائمة والارتباك والتناقض.
خبرة الاغتراب، أو ما أحبّ أن أسميه "المنفى" سواء كان منفى اختيارياً أو إجبارياً، هي في التحصيل الأخير تجربة غير طبيعية. إنّها تتناقض من حيث المبدأ مع فكرة الميل إلى السكون والعيش مع المُعتاد. وهي تنشأ حتماً عن أسباب فرضت انفصالاً قسريّاً بين الكائن وبيئته، وتعكس حالة عداء من نوع ما، تمارسها ظروف طاردة في الموطن الأصلي ضد الإنسان. وحتى لو كان عنوان خبرة المنفى هو التوق إلى الاكتشاف وتحقيق الحلم الشخصي، فإنّ ذلك يعني أنّ البيئة الأصلية تعيق الاكتشاف، وتجهض الأحلام، وتتسبب بضيق الصّدر والرغبة في الخروج.
المغتربون، أو المنفيون في الخارج، يعيشون في فضاء مختلَق له سمة عدم الاستقرار؛ في مكان يسمّيه الناقد الكبير هومي بابا "الحيز الثالث". وهذا الحيّز هو في الواقع منطقة الما-بَين، منطقة "الليمبو" بين الثقافة التي تأصلت في خلايا الإنسان ووعيه مع حليب الطفولة وهواء الوطن، وبين الثقافة الجديدة الطاغية والمتحوصلة إلى درجة التشبُّع ورفض أيّ طارئ جديد. وعلى رداءة مواصفات هذا الحيّز، فإنّ الداخل فيه يعلُق مثل المنغرس في الرمال المتحركة. ومع كلّ حركة، يخاطر باحتمال الغوص أكثر.
في الدراما التلفزيونية المذكورة، تلفت بشكل خاص شخصيّة مغترب فلسطينيّ في المدينة الأوروبية. وقد اختار هذا الشخص الذي يعرفه عابروا شوارع المدينة العيش كمتشرد، في زاوية اتخذها لنفسه في الشارع واعتقد بأنها تخصّه وتنتمي إليه. وهو معروف في المدينة بكنية غربية قريبة من اسمه الأصلي. ويعرض هذا الشخص أفضل ما يكون تناقض شخصية المنفيّ بشكل عام، والفلسطيني المنفيّ بشكل خاص. ففي جانب، ينطوي هذا الشخص على حكمة ورؤية عميقتين، حتى إنّ أصدقاءه يفزعون إليه للتعبير عن مخاوفهم العميقة، ويجدون عنده التفسيرات والتوجيه. وفي الجانب الآخر، يرفض هذا الشخص عروض العرب هناك استئجار منزل له يقيه برد الشارع وغوائله. لكنّه يفكّر بأنّ الشارع المفتوح أكثر حريّة، وبأنّه يعديك بشعور الحريّة، حتى وأنت بلا سقف ولا جدران.
المحزن في حكاية هذا الفلسطيني المنفيّ، الذي يدافع بقوّة عن حيزه على الرصيف ضدّ الطامعين حتى في هذا الحيّز من المتشردين المحليّين، أنّه يختار في النهاية الموتَ وحيداً. وفي مشهد بالغ الإيحاء، يأتي صديقه الروحيّ المقرب من عرب المدينة الغريبة ليزوره كالعادة في أحد الأيام، فيجد شخصاً آخر يحتلّ الزاوية، نفس الشخص "الآخر" الذي كان يطمع بوضوح في المكان. ويفهم الصديق من الساكن الجديد أن صاحب الزاوية ماتَ من دون أن يحاول إقلاق العرب الآخرين، ودفنته البلدية بعد أن تبرّع بأشيائه وزاويته لرفيقه المشرّد المحلّي.
بشكل ما أحسّ العربيّ حسنُ الحال نسبياً باليُتم لفقدان الغريب صاحب الزاوية الودودة –على الرغم من عرائها- والتي توزّع السكينة والدفء من مصدر غير مرئيّ. وكان شعور الفقدان قويّاً على الرجل حتى لم يستطع أن يتكلّم، ووقفت الدموع في عينيه. وبطريقة غريبة أحسستُ أنا شخصيّاً بيُتم مشابه، وبغصة كبيرة خانقة. ولو لم يكن دمع الرجال غالياً، لبكيتُ.
بالنسبة للفلسطيني المنفيّ نفياً مضاعفاً، كلُّ زاوية في الأرض –غير الوطن- هي في الأخير زاوية غريب على ناصية شارع، بلا سقف ولا جدران. وكأنّما يعاقب الفلسطيني نفسه على اغترابه القسريّ، أو يعاقبه قدر غريب، بنفور عنيد من البيوت التي يتصدق به عليها الآخرون!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة