أثار هذا التأمل صديق روى لي قصّة طريفة عن الضمير. قال إنّه عرف شخصاً مغترباً كان يكتب الافتتاحية اليومية لصحيفة خليجية بارزة. وعندما حدث خلاف سياسي بين البلد الذي يعمل فيه وبين مصر عبدالناصر، طلبت إليه الصحيفة أن يغيّر وجهته ويكتب شيئاً مُغايراً لخطّه المعتاد، فرفض. وقال لرؤسائه إنّه ليس لديه ضمير "بَوَر ستيرينغ،" تمكن إدارته بسهولة بالإصبع الصغير، فتنعطف العربة وتسير في الاتجاه المعاكس بلا عناء. على الأقل، يمكن أن يكون الضمير مقوداً عاديّاً تتطلب إدارته جهداً وينطوي على قدر من العناد.
لم أسأل صديقي عن مصير ذلك الصحفي الكاتب، وإذا كانت صحيفته قد أبقته في عمله أم أعفتْه، لأنّ فكرة الضمير هي التي استوقفتني. والحقيقة أنّ الخلفيّات النظرية للموضوع لا تشجع على الخوض فيه، لأنها معقدة. إنّه ينتمي إلى منطقة المقولات المعيارية في فلسفة الأخلاق، التي تعترف بنسبية الأحكام المتعلقة بالصواب والخطأ. ومع ذلك، يمكن الاتكاء على الفرضية القائلة بأنّ ثمة قواعد أخلاقيّة إنسانية جامعة حدسية أكثر من كونها إمبريقية: الاستقامة، والنزاهة، والصدق... إلخ؛ وفي حالة صديقنا كاتب الافتتاحية: الحرص على التماهي بين الخارج والداخل، ومقاومة نزعة الانتهازية شديدة الإغراء.
ما يزال الجدل الفلسفي غير منته حول ما إذا كان هناك شيء اسمه "الضمير". لكنّ الحسّ العام أقرّ به، بل وشخصنه ككيان حيّ متسّم بصفات البشر الذين يتعلق بهم: هناك الضمير الميّت الذي يجعل من صاحبه صخرة صمّاء تعطلت فيها الإرادة وملَكة التمييز، والتي تتحرك آلياً وفق حركة العالم الطبيعي؛ وهناك الضمير النائم، المتغافل مؤقتاً عن ممارسة وظيفته القضائية الرشيدة، من أجل السماح بمرور بعض المخالفات التي تنتهك النواميس؛ وهناك الضّمير المطّاط "الكاوتشوك" المرن، بحيث يمكن أن يغّير مقاييسه ببراعة لينسجم مع أيّ حيثيات تلزم لصيانة المصلحة وتلبية الطلب. إذا قررنا الهروب من منطقة التجريد، فسنعترف بأنّنا نصادف كلّ هذه الأنواع وغيرها من "الضمائر" في حياتنا العادية. وربّما يمكننا أنْ نجتهد أيضاً، فنقول بوجود ضمير عام يمكن أن نسميه "ضمير الأمة". وفي العادة، ينسب كُتّاب الخطابات والمدّاحون هذه الصفة إلى الزعماء، باعتبار أنّهم التعبير الأنقى والأصفى عن التركيبة الأخلاقيّة والمعايير الفُضلى التي تتحلى بها الأمة. وضمن هذه الرؤية، يمكن لكم تصور أيّ أنواع من "ضمير الأمّة" تمتلك أمتنا العربية الماجدة.
الذي خطر في بالي أوّل ما يكون عندما سمعت قصة الصحفي الذي يريد أن يكون ضميره عنيداً، هو عنوان رواية سوفيتية كنتُ قد قرأتها شاباً وما أزال أعاود قراءتها كلما تيسر. اسم الرواية هو "ضمائر حيّة"، وأعتقد أن اسم كاتبها هو "بيوتر فيرشيغورا". أمّا موضوع الرواية، فقصّة مقاومين من "الأنصار"؛ أي قوات المقاومة الشعبية التي كانت تتشكل في الأراضي المحتلة وتحاول العمل خلف خطوط الألمان، غالباً بإمكاناتها الذاتية. ولا أريد أنْ أترك الانطباع بأنّني ساذج إلى حدّ عدم إدراك مثالية الأدب، لكنّنا نحبّ الفن والأدب بالذات لأنهما يلبيان أحياناً رغبتنا في تصديق المثالية. ولذلك، أعجبتني وستعجب غيري نوعيّة الشخصيات ذات الضمائر الحيّة التي تشتبك مع الشرّ في صراع وجودي.
الذي أراده الكاتب، ونريده في ضمائرنا الفردية عندما تكون مستيقظة وحيّة وأعند من "بَوَر ستيرنغ"، هو أن نتمكن من تمييز الكثير من الضمائر الحيّة من حولنا، بحيث نستطيع أن نزعم أنّنا مجتمع حيّ الضمير، بمجمله. وليست المسألة متعلقة بالمثالية، بقدر ما تعني حيوية الضمير خدمة لأغراضنا وأشواقنا البشرية. ففي نهاية المطاف، سيعني حاصل جمع ضمائر حيّة أنّ أحداً لن يتسلق بالدوس على كتف جاره، ولن يسرقه من وراء ظهره، ولن يظلمه أو يحقره، ولن يخدعه ويضلله باستخدام هباته الطبيعية.
الضمائر الحيّة، بهذا المعنى، مرتهنة كثيراً لنوعية ضمائر مالكي أدوات التأثير في ضمائر الآخرين، بل وفي تحديد نصيبهم من المُطلق الإنساني والعادل كله في التحصيل الأخير: الصحفيون والمعلمون والوعاظ والساسة. وكان الشائع أن المقود العنيد يؤمن سيطرة أكبر إذا زادت وعورة الطريق. لكن النّاس ظلوا –كما هو طبعهم- يفضلون السهولة التي تعرضها التقنية وتسوقها الدعاية: استخدام المقود اللين.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة