يحذّرونك أحياناً من خطر مجهول على الطريق، فيكتبون بخط عريض أبيض على شاخصة مرورية زرقاء تتكرر كل بضعة أمتار: "الزم يمينك". ويُطيع الحريص المتحفّظ العبارة الآمرة القاطعة إذا كان يريد السلامة، فيلزم يمينه. لكنّ مُعلّمي الذي درّبني على السواقة نصحني دائماً بالابتعاد عن اليمين في شوارع عمّان الضيقة المزدحمة. كانت فكرته أن المسرب الأيمن دائم التعطّل والتعثّر بكثرة توقّف الحافلات والسيارات العمومية التي تلتقط وتُنزل الركاب، فيُضطر المُتيامِن إلى الوقوف وراءها مراراً، أو إلى تغيير المسرب بصعوبة في كل مرة.
لكنّ نصيحة معلّم السواقة المجرِّب أصبحت كارثية في شوارعنا التي تكسر كلّ قواعد  السير. وحتّى في الشوارع العريضة كثيرة المسارب "الأتوسترادات"، أصبح المسرب الأيسر هو الذي يتوقف فجأة في الغالب، ويعرضك لحوادث التتابع القريب، بينما ينطلق السواقون على يمينك طائرين وسالمين. وتتعجّب؛ فالمفروض أن يكون المسرب الأيمن مخصصاً للعربات الكسولة الثقيلة التي تدبّ دبيباً وتقول: يا رب السّتر! أمّا السوّاقون النشيطون الرّاغبون بالذّهاب قُدماً ولا حاجة بهم للوقوف، فلهم اليسار المفتوح.
وقد فكّرت كلّما علقتُ في المسرب الأيسر على طريق سريعة، بما الذي يمكن أن يكون هناك في الأمام فيوقف الطريق؛ أهو سائقٌ مشوّشٌ تذكر التحوّل إلى اليمين فجأة، فحجز الآخرين وراءه حتى يتسنّى له الانسلال، أم أنّ هناك حادث سير على المسرب الأيسر بسبب رعونة سائق؟ أيّاً يكن، ومع تكرار هذه الخبرة المتعارضة مع قواعد سرعات الطريق، فإنّني أضبط نفسي يومياً وأنا عالق في أزمة اليسار، وفي نصيحة معلّمي القديم، وأتساءل عن الإصرار على تكرار "الغلط"!
وفي الحقيقة، هناك دائماً ذلك التوتر بين الشاخصة التحذيرية الآمرة: "الزم يمينك"، وبين نصيحة المعلم الذي دربني على السواقة بأن أتجنب السير على اليمين. فنحن في الأخير أبناء ثقافة يمين، حيث يشكل استخدام اليد اليمنى والقدم اليمنى جزءاً أصليّاً من السلوك الاجتماعي القويم. وأحياناً، يشفقُ المرء على طفل "أشول" يجاهد ليتعلم الأكل بيده اليمنى حتى لا يُعنّفوه لأنّ سلوكه مُعيب وشيطاني. بل إنّ هناك في اللغة الإنجليزية نفسها تحالفاً لغوياً محيراً مع اليمين أيضاً؛ فهم يستخدمون نفس المفردة (right) لتدل على اليمين الفيزيائي، ولتدلّ كذلك على معاني الصواب، والحق، والعدل.
وفي الخطاب السياسي، يشتغل اليمين
 –كما هو معروف- في حماية التقاليد والأعراف والبنى القديمة، ويذهب أقصى اليمين أبعد إلى إجازة استخدام العنف من أجل فرض هذه التقاليد، وإجبار الناس على البقاء في القطيع داخل أسوار الحظيرة بدل استكشاف الخارج. أمّا اليسار السياسي، فهرطقة، ومغامرة، ولعبٌ في منطقة التجريب الخطرة، وسيرٌ في مسرب يجبرك على السّرعة ومواجهة احتمال الحوادث. ومع ذلك، كانت حتى منطقة "اليسار" هذه متغيّرة. فعندما يفضي التقدم والازدحام إلى تكثير مسارب الطريق، يذهب المسرب الذي كان يساراً إلى الوسط، بل إنه يكون هو اليمين نفسه حين يصبح ترتيبه الثاني بين عشرة مسارب.
الآن، في المشهد العربي الكبير، والمصغّر بطريقة لافتة في "أتوسترادات" عمان، يبدو مسرب اليمين أيضاً هو السالك المتحرك، بينما يتعثّر "المسرب السريع" على اليسار، بل وكثيراً ما يتوقف تماماً لسبب غير واضح، وكأنّ هناك كل الأسباب لزراعة آلاف الشاخصات الآمرة التي تتعاقب على يمين الشارع وتحذر المارة من عدم وثوق الطريق: "الزم يمينك!". وفي كل شارع تقريباً، تغمِزُ الأضواء البرتقالية، ويمدّ الناس أذرعهم من النوافذ طالبين من الآخرين فسحة للانسلال إلى المسرب الأسهل تدفقاً، على اليمين!
وفي المقابل، هناك دائماً أولئك الذين صادف أن نصحهم معلم السواقة بأن الهروب من كسل اليمين إلى رحابة اليسار أروَح، يعانون يومياً من عادة الركض إلى المسرب الأيسر آلياً كلما خرجوا إلى الطريق. وعلى نحو يخالف الفرضيات والقاعدة، يشاهد هؤلاء يوميّاً كيف يكسر مواطنوهم قانون السير المعروف: "ممنوع التجاوز على اليمين"، ويتجاوزونهم من هناك بالضبط، بلا عناء ولا دفع مخالفة، ويصلون أسرع أيضاً. ويوميّا، يظلّ هؤلاء العالقون في أزمة المسرب الأيسر نهباً للتساؤل اليوميّ القلق، عمَّ يُعيق الطريق!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة