فجأة، أصبح "نابليون وسط البلد" مُهماً ومادّة للأخبار، تَماماً مثل كلّ الأشياء والنّاس الذين ننتبه إليهم فقط في اللحظة التي لا يعودون فيها موجودين، ولا يعودون. وكنتُ أشاهد "نابليون" في شوارع عمّان –أعني صاحب المعطف والقبعة وشارات الإمبراطور المهدّبة على الكتفين- وأمرّ به متحاشياً التقاء العيون كي لا يزعجه فُضولي. كنتُ أعتقد، ببساطة، بأنّ عالمه يخصه ولا ينبغي أنْ يقرأ في نظرتي تعليقاً غير لازم. أم أنني كنتُ أعاقبه بالتجاهُل ولا أدري؟ وسمعتُ عنه حكايات. قالوا إنّه عُذِّبَ في أقبية مُخابرات مّا، فقرّر ترقية نفسه من سياسيّ مضطهد إلى إمبراطور مدينة. وقالوا أيضاً إنّه عبقريٌّ ظلّ يقرأ الكتب حتى لم يعد في عقله متّسعٌ، فتخطى "الشعرة". لكنّه تبيّن أنّ إمبراطوراً آخر لوسط المدينة، بملابس عادية بلا شارات، هو الذي رحل أخيراً فذكّر برفيقه الذي غادر قبله بثلاثة أشهر.
قرأتُ خبر وفاة "نابليون عمّان" مرات، ولم أستطع تمييز أيهما الإمبراطور صاحب القبعة - نبيل، أم رمضان، ولذلك طبعتُ صورتيهما المنشورتين في أحد المواقع وتحتهما الاسمان على الورق، لأعرف عمّن أكتب. لكنّني اكتشفتُ سريعاً أنّ الأسماء التي خلعَها صاحباها ليست ذات صلة. أيّ معنى للأسماء وأنا لا أعرِف من الرجلين سوى ذاكرة العابر؟ المهمّ هو الفكرة؛ الحالَة التي توصل الإنسان إلى لحظة يصبح عندها غيرَ عابئ بالعيون التي تُطالِعه وتردُّ عليه بانطباعاتها عنه صباحَ مساء، بل إنّه ينصب الفخاخ للانتباه ويستدرج مُداخلات العيون المستنكرة أو المشفقة. وإذا صحّت الروايات عن نابليون عمان (رمضان أو نبيل، لا فرق)؛ أنه كان شيوعيّاً و"لينين" عمّان، وظلّ يقرأ الكتب حتّى الرمق الأخير، فإنّنا لسنا أمام عقل يجهل ماهيّة الفضول البشريّ، ولا يتنبأ بكيف يفكّرُ الآخرون عنه عندما يختلف عنهم. لكنّه، ببساطة، ضربَ بالاعتيادي عُرض الحائط، واجترأ على شيء خارق –التشرُّد العلَنيّ.
أعادتني الأخبار إلى شيء غير ناجز كنت أكتبه عن "المثقف المشرَّد". ووجدت ملاحظات في مسوّدتي عن رواية البرازيلي جورج أمادو، "كان كان العوام". وترجمة اسم الرواية من الإنجليزية إلى العربية، حرفياً، هو: "موتا (مثنى مَوت) كوينكاس ووتريل". و"كوينكاس ووتريل" هو لقبه. أما اسمه الأصلي فهو "يواكيم سواريز دا كونها"، المشرد الشهير في قاع مدينة باهيا، والذي يلقبونه "مَلك الحانات والمراقص". وتبدأ القصة بموته وتتنقل بين الحاضر والتداعي.لم يكن يواكيم متشرداً بالولادة؛ فقد أنفق معظم حياته بيروقراطياً صغيراً وربّ أسرة ملتزما من الطبقة الوسطى. وفي لحظة فاصلة، قرّر التنازُل عن زوجته الثرثارة، وابنته المزعجة بنفس المقدار، وابن زوجته المُغثي، وروتين الوظيفة البائسة، واختبار العيش في قاع المدينة والدوران في شوارع سلفادور-باهيا. وعندما علمت عائلته بموته، جاءوا على مضض وخجل ليعدّوا جنازته بلا صخب ولا انتباه. وبعد أن سهروا قليلاً على جثته وألبسوه حذاءين وملابس بسيطة –من دون ملابس داخلية لأنّه لن يراها أحد- غادروه هاربين من ابتسامته التي تذكرهم بكَم كان يزدريهم.
بعد هؤلاء، يأتي أصدقاءُ يواكيم البسطاء من قاع المدينة. وبعد أن يتذكر أربعتهم كم أثّر على حياتهم، يقررون الخروج به ليشارك في حفلة وداعية أخيرة. وفي تجوالهم به في المدينة، يحكون له النكات ويقدمون له الشراب، ويذهبون به ليأكل حساء السمك الذي يحبّه. وبعد ذلك يقرّرون أخذه في رحلة بحرية، بل ويصطحبون في الطريق المرأة التي يحبها من بنات الليل. وفي النهاية تلقي عاصفة بجثته في البحر، حيث كان قد قال مرّة إن البحر "سيكون الشاهد الوحيد على ساعته الأخيرة".
ثمة مجتمعان: طبقة كلّ شيء فيها اصطناعي وخانق ومنضبط، يعنيها الرداء الخارجي ولا تعنى حتى بوجود الملابس الخارجية، وطبقَةٌ مُزدراة لأنّ الطبع فيها متروك على سجيّته. والحقيقة أنّ الخوض في مفاضلة بين المجتمعين حرج، إذ يصعُب تخيُّل عالَم من "المشرّدين"، بلا أيديولوجيا وابتكار ضوابط أخلاقيّة تتخذ أحياناً صفة القداسة. لذلك ترسخ الفرز، وأصبح هناك "منتحرون" اجتماعياً بفرط الثقافة والمعرفة. هؤلاء يموتون مرتين، ويكون موتهم الثاني فقط مشهوداً، وننتبه إليهم عند الغياب، عندما نفتقد جزءاً آخر من روح المدينة التي تحتضَر.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة