لي صديق يمتلك مزرعة صغيرة في الغور. قلت له مرّة إنّ معتزله الهادئ هناك تنقصه بركة سباحة، فقال: يا بني! الناس في بلدنا لا يجدون ماء كافياً للشرب، فلماذا ترَف ملء بركة كبيرة ليتريَض فيها رجل واحد؟!
تعلمت شيئا من إخلاص صديقي ومسؤوليته، وأنا أعرف أنه يحسن السباحة وتحتاجها صحته في سنّه المتقدم، وقد تعلمها صغيرا في مكان آخر. وكنتُ أعجب من معرفته السباحة وهو القادم من بيئة فلاحية وليست ساحلية، وعرفت أنهم تعلموا السباحة في جدول صغير عند نبعة ماء في قريته. أما نحنُ غير المحظوظين من أبناء المدن في زمن بغير برك سباحة، فنرتعب من الماء.
والماء يرعبنا بطرق أخرى أيضا. في الشتاء، يخرّب المطر الشوارع، وهم يفتحون أغطية المناهل لتصريف مياه المطر فتصطاد الراكبين والسائرين. وفي بعض الأماكن، تجرف السيول المزروعات والناس أحيانا. وفي أخرى، تتدفق على البيوت الفقيرة واطئة الحيطان، فتغرق محتوياتها وتخيف أطفالها. وفي الصيف، يغامر الكثيرون باحتمال أن ينقطع الماء من الصنبور وهو يستحم. ويغامر إذا سقى أصص ورداته التي تصنع له بعض الاخضرار. وإذا لم يكن عندك خزان ماء احتياطي، وحتى لو كان لديك أحيانا، فإنك قد تؤخذ على حين غرة، فتجد صنبور مطبخك مقفرا يبكي آخر القطرات وينشج، ويموت. وقد تحمل إناء وتحاول أن تحلب آخر الماء من صنابير الحمام، وأنت تعرف أن الحصيلة لن تسمن ولن تغني. وتفكر: كيف ستجلب صهريج ماء يسع ستة أمتار أو اثني عشر مترا من الماء لتملأ خزانك بمترين، وتدفع ثمن الباقي سدى؟ ومن من سكان البناية يا تُرى يمكن أن تكون غدرت به صنابيره، ويفكر أيضا بكيف يجلب صهريج ماء؟ وهل تدور على أبواب جيرانهم فتسألهم، عافاك الله من مؤونة السؤال؟ والمشكلة أنّك عندما تعرف بأن أنابيب مائك خاوية، تحسّ فجأة بأن من الضروري جدا أن تستحم الآن، وأن تجلي الأواني الآن، وتسقي الزرع الآن، و"تشطف" بلاط المنزل الآن. وباختصار، تحس بأنّ الحياة توقفت هنا.
ولا عجب، فثمة الآية الجليلة في القرآن الكريم التي لخصت هذه الحقيقة الوجودية: "وجعلنا من الماء كل شيء حي". وكثيرا ما نرددها عندما نشرب بعد عطش، فترتد إلينا الحياة. الماء هو الحياة. وبشكل ما، ينعكس ذلك بوضوح في أخلاق سكان المدن التي لا يرطب جفافها نهر، ولا تستريح على ساحل يمكن للمرء أن يسرّح نظره في أفقه، فيحلم بما وراءه، ويتخفف من بعض الهمّ. وفي الغالب، يكون ذلك سببا في أن يصاب الناس في هكذا مدن بضيق الخلُق والعصبية، ويشربوا قهوتهم دائماً على جفاف وبلا خُضرة.
ومن عجيب أمر الماء أننّي أفكر في ندرته في مدينتي عمّان، فيفسد الاستمتاع بكثرته أمامي الآن، في البحيرة تحت "بُرج خليفة" في دبي. والماء هنا، في هذه البحيرة السحرية المحاطة بمكان مسحور، يراقص الليل والضوء، حرفيّاً، ويصنع كل شيء هنا مكانا غير أرضيّ تماماً.
كل عشر دقائق أو نحو ذلك، تنبعث الموسيقى خافتة أولا من أرجاء المكان الواسع. وفي نفس اللحظة أيضا، تشرع كائنات الماء بالنهوض من تحت رداء البحيرة. ويرتفع الإيقاع، فتنهض خصور راقصات، وأيدي عشاق تشتبك وتفترق، وأصابع وأذرع تتلوى وتذوب، وهناك تتفتح زنبقة على مهل لتصبح مكتملة الأوراق وتتحول إلى البنفسجي، ثم يُجنّ الإيقاع فتطلق البحيرة سربَ سهام مدببة الرؤوس على عرض البحيرة، ترتفع وتعود وتنفضّ وتتحول إلى غيم يسبح على سطح البحيرة. وأنت، تقف على أصابعك، ثم تصفق طويلا للماء الفنّان. أم هو الإنسان الذي رقّص الماء؟
المال والعقل البشري، يستطيعان أن يصنعا –إذا رغبا- أعاجيب غير القنبلة الذرية وحاملات الطائرات. إنهما يستطيعان أن يُنبتا عالَما سحرياً كله حياة من الرمل، وأن يحرجا قوانين الفيزياء ويجعلاها تحمر خجلا. نعم! من دون تجميد في قوالب، وفي الهواء الساخن، وفي حالته السائلة نفسها، استطاعوا أن يجعلوا الماء يتخذ أجساما حية متحركة بأشكال غير مرتجلة لا تخطئها العين. أفكر في هذا وفي أقدار بلدي، وسط الدهشة، على طريقة مصطحب مدينته في حقيبة السفر!
 

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة