"أنا –هذه الفكرة التي تُدعى أنا- هي القالب الذي صُبّ فيه العالم مثل الشمع الذائب" (رالف والدو إمرسون).
لن تروق فكرة الفيلسوف والشاعر الأميركي إمرسون لنا نحنُ العرب لدى النظرة الأولى؛ نحن الذين يعترض معظمنا خطابه نفسه إذا استخدم ضمير المتكلم المفرد، بعبارة: "وأعوذ بالله من قول أنا" -وكأنّه نطق كفراً. والتسويغ الخادع لهذا الإنكار لمسؤولية الذات هو أن ثقافتنا غيريّة بامتياز، جماعيّة الوعي والصوت بمثالية، وتحتقر فكرة الـ"أنا"نية، المشتقة -كما هي- من ضمير المتكلم المفرد. وفي الممارسة، يعاتب المرء نفسه غالباً على استخدامه صوته الخاص، باعتبار أن نسبة أفكاره إلى نفسه مناقِضة لمبدأ التواضع، وأنّه لا يُريد أن يوحي للآخرين بأنّه مغترّ يعتبر نفسه "سلطة" يمكن أن تقتبس نفسها.
لا بأس بفكرة التواضع، شريطة أنْ لا تعني في النهاية إقامة علاقة شكّ بين الفرد ونفسه، بحيث يعتقد بأنّه لا يمكن أن ينطوي في ذاته على شيء يُعتدّ به ويستحقّ الإفصاح. والخطر أنّه إذا استقرّ في وعي الثقافة أنّ من الأفضل استعارة صوت الآخر واقتباسه، فإنّ ذلك سيضرّ بفكرة الابتكار، وسيكتم أصواتاً كان ينبغي –في بيئة أكثر احتراماً للفرد- أنْ تضيف جديداً قد تكون الحاجة إليه وجودية.
في الثقافة العربيّة، تتسع بشكل ملحوظ منطقة التفسيرات الجاهزة للمسائل الكليّة والجزئية، وتُسبغ على هذه التفسيرات سلطة القداسة والعصمة والتحريم، بحيث يجبُن الأفراد عن إعلان الشك وإعادة التفسير أو الاستنطاق. وتنسحب هذه التفسيرات على المعيشيّات واليوميات بكثافة، وبشكل يُسلم الأفراد إلى نَوع من القدرية التي لا مكان فيها تقريباً للنظرات الشخصية أو بذل المحاولة. وفي أحسن الأحوال، قد يُسعفنا الحظّ بالعثور على شخص آخر في مكان بعيد، فكّر بالضبط كما فكّرنا، فننسب الرأي إليه ونستأنس بسلطته –مع أنّه ليس سلطة إلا بمقدار ما هو حرّ في بيئته من العالَم. وفي الواقع، تتعزز لدى الفرد القناعة بأنّه إذا عرض الفكرة على أنّها فكرته، فإنّها ستنال حظاً أقل من المصداقية والجمهور معاً مما لو نسبها إلى أجنبي. وببساطة، تتسع أزمة الثقة في الـ"أنا" لتصبح سلوكاً ماسوشياً عاماً يزدري ضمير الجمع "نحن"، ويفاقم الإحساس بالعجز الجمعي باطراد.
التعبير "السياسي" عن هذه الثقافة، هو "احترام" الأنظمة القائمة وتعويدها على اضطهاد الفرد، فالمجموع. وتكريس اعتمادية الأنظمة وناسها على الخارج –المثالي ومالك الخطاب. والتعبير "المعرفي" هو إفقار إنتاج المعرفة. و"الاجتماعي"، تمييع شخصية الفرد وإخضاع قراراته لرغبات خارجة عنه. و"الإبداعي"، تدجين الملكات والمواهب وتثبيط رغبة الأفراد في إعلانها واختبارها في الفضاء الواقعي.
"الفردانية" (Individualism) في الموسوعة البريطانية، هي موقف أخلاقي، وأيديولوجيا، وموقف سياسي واجتماعي، يؤكد على القيمة الأخلاقية للفرد. وتفترض سوزان براون أن "الفردانية تعزز ممارسة الفرد أهدافه ورغباته، وهكذا تثمّن الاستقلالية والاعتماد على الذات"، وتعارض معظم التدخلات الخارجية في اهتمامات الفرد، سواء كانت من المجتمع أو العائلة أو أي جماعة أو مؤسسة.
هذا التركيز على الفرد، باعتباره المركز، كان أساس أفكار الليبرالية الكلاسيكية، والوجودية، والأناركية الفردانية وغيرها من الحركات التي اعتبرت الفرد وحدة التحليل الأساسية، وبالتالي العنصر الأهم في النضال من أجل الحريّة. وربّما لا يكون من الضروري اقتراح البوهيمية والتجريب المتطرف على الثقافة العربية الآن، لكنّه ينبغي اقتراح تنشيط اختبار البدائل، والتحليّ بدرجة من الشجاعة الفردية في مناجزة الآراء التقليدية والأعراف الطاغية، ومنها تشكيك الفرد بقيمته الشخصية وخلق فصام قوامه عدم ثقة الفرد بوجاهة صوته وذاته الخاصة.
إن العالم هو مجموع الكيانات الفردية لموجوداته. والثقافات هي محصلة خصائص أفرادها التي ينبغي أن تكون متنوعة ومتحققة في العالم. وإذا عظّمت الثقافة المبادئ التي تضيّق مساحة التعبير الشخصي والمداخلات الواثقة لأفرادها، فإنّها تضيّق رؤيتها ومساهمتها وعوائدها من الخبرة البشرية. ولا يبدو أنّ الحلّ سيكون فوقيّاً، من الجهة التي تكون فوقية فقط باحتكارها حقّ التحدث بضمير المتكلم المفرد. سيبدأ الحلّ من احترام الفرد لنفسه أولاً والتطلع بها إلى التسامي؛ من احترام ضمير المتكلم المفرد حتى يُسمع صوت المتكلم الجمعي، ولا نظل أتباع ثقافة كسيرة أسيرة لضمير الغائب.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة