زاد العنف في الجامعات عن الحدّ. لم يعد مجرد حوادث عرَضية، وإنّما تحول إلى ظاهرة متكررة مخجلة ومرعبة في آن. وإذا وصل الأمر إلى إصابة الناس بالقلق على بناتهم وأبنائهم الذين يدرسون في الجامعات، والمسارعة إلى الاتصال بهم لإخراجهم سريعاً من منطقة "القتال" خشية وقوعهم ضحاياً جانبية، فإن ذلك يذكر بالخوف من التواجد في مكان مهدد بقنبلة إرهابية موقوتة. ماذا يعني تعطيل مؤسسة كبيرة وتحطيم محتوياتها وإرهاب مرتاديها؟ ومن يدفع ثمن المرافق التي تُحطم، وأموال المحاضرات التي تُهدر، ومشاعر النفور التي تتولد لدى الطلبة من بيئتهم الخطرة؟ وما الذي يعوض الإساءة البالغة إلى سُمعة البلد، ليقال: إذا كان هذا حال جامعات الأردن وفيها نخبته، فما هو حال بقية البلد؟ المشكلة أن الجواب عن سؤال "البقية" ليس جميلاً أيضاً: هناك عنف أصبح ظاهرة مجتمعية تقريباً، خارج الجامعات أيضاً.
وقد شدّ موضوع المشاجرات الجامعية 
– والمجتمعية - انتباه الكثيرين من المراقبين والمعنيين الذين اشتغلوا في تشخيص الأسباب وسبل العلاج. واتضح من هذه المداخلات أنّ حلّ ظاهرة العنف يرتبط وثيقاً بتصحيح الاختلالات العميقة في السياسات التي أفضت إلى تعميق أزمة المجتمع المحلي بالتقسيمات الفئوية غير الصحية. وكان الاقتراح الآني الذي أقرته معظم الآراء حول عنف الجامعات بالتحديد، تغليظ العقوبات على الطلبة الذين يثبث تورطهم في إشعال عود الثقاب. غير أن تطبيق العقوبات اصطدم، كالعادة، بالمعيقات الكثيرة المعروفة، مثل الوساطات، والتدخلات العشائرية والرسمية، ومصادرة استقلالية قرار الجامعات، وغير ذلك مما أفرغ الإجراءات الجامعية ذات الصلة من محتواها، وأصبح "الطالب" البلطجي يعرف أنّ بوسعه الإفلات بفعلته بفنجان قهوة.
الغريب أيضاً، أنّ مجتمعنا المعروف تاريخياً بحرصه الشديد على تحصيل الأبناء ونجاحهم في الدراسة، يشارك بطريقة مقلقة في تأجيج حوادث العنف في الجامعات. وفي الوقت الذي لا يتردد فيه الأقارب غالباً على الجامعات للسؤال عن أداء أقاربهم وتحصيلهم العلمي، يتداعى أبناء العمومة إلى الحرم الجامعي أسراباً، وبغريزة القطيع، للمشاركة في "المعارك" بدلاً من تهدئتها. وضد مَن: ضدَّ الجيران والأنسباء وأبناء الوطن الواحد، وبلا سبب مباشر في الغالب سوى "مشكلة أولاد". ويخلق هذا الاشتراك الكثيف للمقاتلين من غير الطلبة الانطباع بأنّنا مجتمع مليء بأصحاب المشاكل والسوابق الجنائية، والذي عزّ فيه العقلاء الذين اعتدنا احتواءهم أعقد الخلافات والمساهمة في صيانة السلم الاجتماعي. ويعني كل ذلك في التحصيل الأخير أنّ الرادع الأخلاقي، والعقلاء، والقوانين والعقوبات الجامعية، والأمن الجامعي، كلهم أصبحوا عاجزين عن ضبط الانفلات الذي لا يني يزداد تكراراً وجرأة في الجامعات.
إذا كانت مختلف النظرات المنطقية تقترح أن التعليم في الأردن هو ثروته ونفطه ومستقبله وكل ما لديه، فإنّه ينبغي النظر إلى الجامعات على أنها مؤسسات استراتيجية، يعني تخريبها والعبث بها لا أقل من تهديد الأمن القومي نفسه. وينبغي أن لا تختلف بهذا المعنى عن معسكرات الجيش ومؤسسات الدولة ووزاراتها. وبغض النظر عن الدوافع والأسباب المباشرة التافهة للمشاجرات الجامعية، وسفاهة الأفراد الذين يرسخون هذه الظاهرة، فإنّ تكرارها يكشف عن عدم جدية في معالجة الجذور الاجتماعية الأعمق لهذه النبتة السامة، والمعروفة للجميع. ومثلما لا يمكن لشيء أن يبرر أعمال البلطجة في أيّ مكان، وخاصة في المؤسسات ذات الطبيعة الاستراتيجية، فإنّه لا يجب السماح لأي شيء بتعطيل تطبيق القانون بصرامة بحق بلطجية الجامعات، سواء من الطلبة أو الخارجيين.
سوف يقتضي ذلك أن تتمتع الجامعات بصفة الهيئات الاعتبارية المستقلة، التي تستطيع حماية قراراتها والدفاع عنها كما ينبغي لأيّ حرم لا يجوز انتهاكه. وينبغي أن يتبع هذا الاستقلال تحكّمها الواعي والمخلص في معايير قبول الطلبة، وتوظيف الكوادر، وتعزيز الهيبة وآليات معالجة المشكلات. يجب النظر بجدية إلى التعليم ومؤسساته -على مستوى السياسات- بالعناية التي تليق بالرصيد الاستراتيجي الذي يهدد تخريبه الأمن الوطني. والأهم والأعمّ، هو تصحيح الاختلالات الأساسيّة المسببة للعنف الذي يطال الجامعات، والذي يهدد بكل أشكاله البلد ويدفعه إلى التفتيت. يجب أن يكون ذلك سريعاً وجدياً بقدر ما يقتضي الحرص على الأمن القومي.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة